علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٢٣
استنبط البحتري تشبيهه استنباطا من خاطره.
ثم يوضّح ابن الأثير رأيه بقوله: «و إذا شئت أن تفرّق بين صناعة التشبيه فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا، فإن كان أحد التشبيهين عن صورة مشاهدة و الآخر عن صورة غير مشاهدة، فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة أصنع. و لعمري أن التشبيهين كليهما لا بدّ فيهما من صورة تحكى، لكن أحدهما شوهدت الصورة فيه فحكيت و الآخر استنبطت له صورة لم تشاهد في تلك الحال و إنما الفكر استنبطها.
ألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى النرجس و إلى الخمر فشبّه، و أما البحتري فإنه مدح قوما بأن خلق السماح باق فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم استنبط لذلك تشبيها فأدّاه فكره إلى السيف و قرابه الذي يفنى في كل حين و هو باق لا يفنى بفنائه. و من أجل ذلك كان البحتري أصنع في تشبيهه» [١].
و الأصل في حسن التشبيه أن يشبه الغائب الخفي غير المعتاد بالظاهر المعتاد، و هذا يؤدي إلى إيضاح المعنى و بيان المراد، و ذلك كقول الرسول:
«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» ففي هذا الحديث إرشاد إلى خفة الحال و عدم الارتباط و التعلّق الشديد بالدنيا؛ فإن الغريب لا ارتباط له في بلاد الغربة، و ابن السبيل لا وجود له في مكان إلا بمقدار العبور و قطع المسافة. فهذا المعنى أظهره التشبيه نهاية الظهور.
و يؤكد أبو هلال العسكري هذا الأصل من أصول التشبيه الحسن بقوله: «و التشبيه يزيد المعنى وضوحا و يكسبه تأكيدا، و لهذا أطبق جميع المتكلمين من العرب و العجم عليه، و لم يستغن أحد منهم عنه. و قد جاء
[١] كتاب المثل السائر ص ١٥٩- ١٦٠.