علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٧١
الاصطلاحي المعروف يقول: «و من الاستعارة ما قدمناه من إنطاق الربع و كل ما لا ينطق إذا ظهر من حاله ما يشاكل النطق. و مما جاء من هذا النوع في القرآن قوله: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. لما جاز أن تحتمل مزيدا من الكافرين حسن أن يقال: قالت و هل من مزيد؟ و كذلك قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، و ذلك لما كانتا عن إرادته من غير استصعاب عليه و لا عصيان له، جاز أن يقال إنهما قالتا أتينا طائعين.
و كذلك قوله: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ، لما كانت الإرادة من أسباب الفعل و كان وقوع الفعل يتلوها، جاز لما قد كاد أن يقع و قرب وقوعه، أن يقال أراد أن يقع.
و مثل ذلك قول الشاعر: «... امتلأ الحوض و قال قطني»، أي لما لم تكن فيه- الحوض- سعة لغير ما قد وقع فيه من الماء، جاز على الاستعارة أن يقال: قد قال حسبي، و هذا شائع في اللغة كثير» [١].
و إذا كانت الاستعارة المكنية هي ما حذف فيها المشبه به و رمز إليه بشيء من لوازمه فإن في كل من «جهنم، و السماء، و الأرض، و الحوض» الواردة في الأمثلة السابقة استعارة مكنية حذف في كل منها المشبه به و هو شخص أو إنسان و رمز إليه بشيء من لوازمه هو «النطق و القول».
و من البلاغيين من يسمي هذا النوع من الاستعارة «التشخيص» حيث تمثل فيه المعاني و الجمادات إلى أشخاص تكتسب كل صفات الكائنات الحية أيا كانت و تصدر عنها أفعالها.
[١] كتاب نقد النثر ص ٦٥- ٦٦.