علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٢٨
الجرجاني في «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة».
أجل لقد تتلمذ على عبد القاهر في هذين الكتابين و عمق في فهمهما و استيعابهما إلى الحد الذي جعله يؤمن بأنّ المعرفة بالبلاغة و أساليبها لا تكشف فقط عن وجوه الإعجاز البلاغي في القرآن، بل تكشف أيضا عن خفايا معانيه و أسرارها.
و في مقدمة «الكشاف» يقرر أنّ تفسير القرآن لا يكفي فيه أن يكون المفسر من أئمة الفقه، أو النحو، أو اللغة، أو علم الكلام، أو القصص و الإخبار. و إنّما ينبغي فيمن يتصدى له أن يكون بارعا في علمين مختصين بالقرآن هما: علم المعاني، و علم البيان، و هذان، في نظره، أهم عدّة لمن يريد أن يفسر القرآن، إذ بدونهما لا تستقيم له الدلالات، و لا تتضح له الإشارات، و لا لطائف ما في الذكر الحكيم من الجمال المعجز الذي عنت له وجوه العرب و خروا له ساجدين.
إذن فالتفسير عنده ليس قاصرا على معرفة معاني القرآن فحسب، و إنّما هو أيضا بيان لأسرار إعجازه، بل إنّ معرفة معانيه لا تتم إلّا لمن تمّت له آلة البلاغة، و عرف وجوه الأساليب و خصائصها المعنوية، و أدرك الأسباب المعينة على تمييز صور الكلام البيانية.
و الذي يدرس بإمعان تفسير «الكشاف» يخرج منه بحقيقتين:
إحداهما أنّه استوعب كل ما كتبه عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» قبل أن يشرع في تفسيره. و الحقيقة الثانية أنّ «الكشاف» هو في الواقع خير تطبيق على كل ما اهتدى إليه عبد القاهر من قواعد المعاني و البيان، فقد اتّخذ الزمخشري من آي الذكر الحكيم أمثلة و شواهد يوضح