علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٣٢
و هذه الدلالة العقلية أو الالتزامية إمّا أن تكون من باب دلالة اللازم على الملزوم كدلالة كثرة الرماد على الكرم في الكناية، و إما من باب دلالة الملزوم على اللازم، أي دلالة المسبب على السبب كقوله تعالى:
وَ يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً فالرزق لا ينزل من السماء و لكن الذي ينزل مطر ينشأ عنه النبات الذي منه طعامنا و رزقنا، فالرزق هو المسبب أو الملزوم الذي دلّ على السبب أو اللازم، و ذلك على نحو ما هو معروف في المجاز المرسل.
ثمّ يخلص من هذه المقدمة التي يغلب عليها أسلوب المنطق إلى أن علم البيان يتناول التشبيه و المجاز و الكناية.
و مباحث التشبيه عند السكاكي تتناول أربعة موضوعات هي:
طرفاه، و وجهه، و الغرض منه، و أحواله في القرب و الغرابة، و القبول و الرفض.
فطرفا التشبيه إما أن يدركا بالحس كتشبيه الوجه بالقمر، و إما أن يدركا بالخيال كتشبيه شقائق النعمان [١] على أغصانها بأعلام ياقوت على رماح من زبرجد. فالتشبيه الخيالي هو المعدوم الذي فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها يدرك بالحس، فإنّ الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لا يدرك بالحس، لأنّه لا وجود لها في عالم الواقع، و لكن المادة التي تركب منها التشبيه، أي الأعلام و الياقوت و الرماح و الزبرجد كل منها محسوس بالبصر. و إما أن يدرك طرفا التشبيه بالوهم كما إذا قدرنا
[١] شقائق النعمان: نور و زهر أحمر، أضيف إلى النعمان بن المنذر آخر ملوك الحيرة، لأنّه خرج مرة إلى ظاهر الحيرة فرأى هذا النوع من الزهر، فقال: ما أحسنه! احموه، فكان أول من حماه فنسب إليه.