علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٩٣
تدقيق نظر، و ذلك لظهور وجهه في بادىء الرأي.
و سبب ظهوره أمران: الأول كون الشيء جمليا، فإن الجملة أسبق دائما إلى النفس من التفصيل. ألا ترى أن الرؤية لا تصل في أول أمرها إلى الوصف على التفصيل لكن على الجملة، ثم على التفصيل؟ و لذلك قيل النظرة الأولى حمقاء، و فلان لم يمعن النظر. و كذلك الشأن بالنسبة لسائر الحواس، فإنه يدرك من تفاصيل الصوت و الذوق و الشم و اللمس في المرة الثانية ما لم يدرك في المرة الأولى.
فمن يروم التفصيل كمن يبتغي الشيء من بين جملة أشياء يريد تمييزه مما اختلط به، و من يريد الإجمال كمن يريد أخذ الشيء جزافا من غير تدقيق نظر. و كذلك حكم ما يدرك بالعقل، ترى الشيء يسبق دائما إلى الذهن إجمالا، أما التفاصيل فمغمورة في الإجمال لا تحضر و تنكشف إلا بعد إعمال الرؤية.
و الأمر الثاني في ظهور وجه الشبه في بادىء الرأي كونه قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن، إما عند حضور المشبه لقرب المناسبة بينهما، كتشبيه العنبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل و في المقدار، و إما مطلقا لتكرره على الحس، كتشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة في الاستدارة و الاستنارة؛ فإن قرب المناسبة و التكرر كل واحد منهما يعارض التفصيل لاقتضائه سرعة الانتقال.
و البعيد الغريب: هو ما لا ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر، و ذلك لخفاء وجهه في بادىء الرأي.
و سبب خفائه أمران: أحدهما كونه كثير التفصيل، كقول الراجز:
«و الشمس كالمرآة في كف الأشل». فوجه الشبه في هذا التشبيه هو الهيئة