علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٤٠
و تجدر الإشارة إلى أنّ كلامه عن هذه المباحث ينقصه التنظيم و التبويب، فالحديث عن هذه الفنون البيانية يأتي عنده متداخلا على حسب ما تستدعيه طبيعة البحث. و مع هذا فإنّ الدارس لمباحث علم البيان في كتاب المثل السائر يخرج منه بصورة شاملة واضحة لهذه المباحث البيانية، و بصورة أخرى لمنهاج ابن الأثير في البحث، هذا المنهاج الذي يجمع فيه بين علمه الدقيق بأصول البيان العربي و بين النقد و التحليل.
و إذا انتقلنا الآن إلى عرض كلامه في مباحث علم البيان فإننا نراه بدأ أوّل ما بدأ بالاستعارة ممهدا لها بحديث عن المجاز، فالاستعارة عنده من أوصاف الفصاحة و البلاغة العامة التي ترجع إلى المعنى، و هي ضرب من المجاز الذي هو قسمان: توسع في الكلام و تشبيه. و لا يكاد يذكر التشبيه حتى يستطرد إلى الكلام عنه فيقسمه تقسيما أوليا إلى تشبيه تام و تشبيه محذوف مع تعريف كليهما و توضيحه بالأمثلة.
و لا ينتهي من ذلك حتى يبدأ فيقسم التشبيه تقسيما آخر، من حيث ذكر أداة التشبيه و حذفها، إلى تشبيه مظهر و تشبيه مضمر. و هنا يضطره البحث إلى التفريق بين التشبيه المضمر و الاستعارة، فالتشبيه المضمر يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، أمّا الاستعارة فلا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، أي أنّها لا تكون إلّا بحيث يطوي ذكر المستعار له.
فالتشبيه المضمر من مثل «زيد أسد» إذا أظهرت الأداة فيه و قيل:
زيد كالأسد، حسن ظهورها، و لم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه، و لا تزيل عنه فصاحة و لا بلاغة. و هذا بخلاف الاستعارة فإنّه لا يحسن فيها ظهور أداة التشبيه، و متى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة و بلاغة. فقول الشاعر: