علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٢٠٤
فهو يمثل للكناية في كتابه هذا بأمثلة من نحو قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، و قوله: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، و قوله: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ثمّ يعقب عليها بأنّ اللّه سبحانه كنّى بالضمير في الأول عن الأرض، و في الثانية عن الشمس. و في الثالثة عن الروح.
فهو يستعمل الكناية استعمال اللغويين و النحاة بمعنى «الضمير»، و معنى هذا أنّ الكناية عنده هي كل ما فهم من سياق الكلام من غير أن يذكر اسمه صريحا في العبارة.
ثمّ نلتقي بعد أبي عبيدة بالجاحظ «٢٥٥ ه» فقد وردت الكناية عنده بمعناها العام و هو التعبير عن المعنى تلميحا لا تصريحا و إفصاحا كلما اقتضى الحال ذلك.
يفهم ذلك من قوله: «رب كناية تربى على إفصاح» كما تفهم من إيراده لتعريف البلاغة عند بعض الهنود و ذلك إذ يقول: «و قال بعض الهنود: جماع البلاغة البصر بالحجة و المعرفة بمواضع الفرصة. و من البصر بالحجة و المعرفة بمواضع الفرصة أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة». من ذلك يتضح أنّ الكناية عنده تقابل الإفصاح و التصريح إذا اقتضى الحال ذلك.
و في حديثه عن بلاغة الخطابة و الخطب يسلك الكناية مع بعض الأساليب البلاغية التي يقتضيها الحال أحيانا من إطناب و إيجاز يأتي كالوحي و الإشارة، و في ذلك يقول في معرض الحديث عن تناسب الألفاظ مع الأغراض: «و لكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، و لكل نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسخيف للسخيف، و الخفيف للخفيف،
[١] كتاب البيان و التبيين ج ١ ص ٨٨.