علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٦
نهج منها قريب من الاقتصاد، حتى استرسل فيها أبو تمام و مال إلى الرخصة فأخرجه إلى التعدي، و تبعه أكثر المحدثين بعده، فوقفوا عند مراتبهم من الإحسان و الإساءة، و التقصير و الإصابة. و أكثر هذا الصنف من الباب الذي قدمت لك القول فيه، و أقمت لك الشواهد عليه، و أعلمتك أنّه مما يميز بقبول النفس و نفورها، و ينتقد بسكون القلب و نبوه، و ربما تمكنت الحجج من إظهار بعضه، و اهتدت إلى الكشف عن صوابه أو غلطه» [١].
و لعلّنا ندرك من هذا القول أنّ مردّ الحكم على جودة الاستعارة أو قبحها عند الجرجاني هو «قبول النفس أو نفورها» و أنّ ذلك أكثر من الحجج الدالة على جودة الاستعارة أو قبحها، فقد يجد الناقد حججا يستدل بها على جودة الاستعارة، و مع ذلك تنفر منها النفس، أو يجد حججا يستدل بها على قبح الاستعارة، و مع ذلك تقبل عليها النفس.
و لا ريب أنّه في ذلك يلتقي مع الآمدي في أنّ الحكم على جودة الاستعارة أو رداءتها يرجع أكثر ما يرجع إلى الذوق الذي هو وليد المران و الدربة و إطالة النظر و التأمل في أقوال الشعراء المجيدين.
كتاب العمدة:
و في القرن الخامس الهجري نلتقي بأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني «٤٥٦ ه» في كتابه «العمدة» الذي يعدّ أيضا من الدراسات النقدية على أسس بلاغية.
و يحدّثنا ابن رشيق في مقدمة كتابه العمدة عن الدافع الذي حفزه
[١] الوساطة بين المتنبي و خصومه ص: ٣١٩- ٣٢٠.