علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٤٤
المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بواسطة وضع، كقولك: أنبت الربيع البقل، و شفى الطبيب المريض، و كسا الخليفة الكعبة، و هزم الأمير الجند، و بنى الوزير القصر [١].
و عرف الخطيب القزويني هذا المجاز بقوله: «هو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأويل». و للفعل ملابسات شتى، فهو يلابس الفاعل و المفعول به و المصدر و الزمان و المكان و السبب، فإسناد الفعل إلى الفاعل إذا كان مبنيا له حقيقة، و كذا إسناده إلى المفعول إذا كان مبنيا له. أمّا إسناد الفعل إلى غيرهما لمشابهته لما هو له في ملابسة الفعل فمجاز، كقولهم في المفعول به: عيشة راضية، و ماء دافق، و كقولهم في عكسه: سيل مفعم، و في المصدر: شعر شاعر، و في الزمان: نهاره صائم و ليله قائم، و في المكان: طريق سائر، و نهر جار، و في السبب: بنى الأمير المدينة [٢].
أمّا عبد القاهر الجرجاني فيسمي هذا الضرب من المجاز «المجاز الحكمي». و يفهم من كلامه أنّه يقصد به المجاز الذي لا يكون في ذات الكلمة و نفس اللفظ، ففي قولك: «نهارك صائم و ليلك قائم» ليس المجاز في نفس «صائم و قائم» و لكن في إجرائهما خبرين على «النهار و الليل».
و كذلك في قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ليس المجاز في لفظة «ربحت» نفسها و لكن في إسنادها إلى «التجارة». فكل لفظة هنا أريد بها معناها الذي وضعت له على وجهه و حقيقته- فلم يرد بصائم غير الصوم، و لا بقائم غير القيام، و لا بربحت غير الربح [٣].
[١] مفتاح العلوم للسكاكي ص ٢٠٨.
[٢] الإيضاح لمختصر تلخيص المفتاح ص ٢٠.
[٣] دلائل الإعجاز ص ١٩٤.