علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٤
بين مذهبين في الشعر متقابلين من حيث صنع الشعر و نقده. و المذهب الأول هو مذهب أبي عبادة البحتري و دعاة البلاغة العربية «ممن يفضلون سهل الكلام و قريبه، و يؤثرون صحة السبك، و حسن العبارة، و حلو اللفظ، و كثرة الماء و الرونق» [١]. و المذهب الثاني هو مذهب أبي تمام و أصحابه ممن «يميلون إلى الصنعة، و المعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص و الفكرة، و لا تلوي على غير ذلك» [٢].
و منهاج الآمدي في الموازنة ألا يفصح بتفضيل أحد الشاعرين على الآخر، و إنّما يعرض بالنقد لحجج المتعصبين لكل منهما، ثمّ يقارن بين قصيدتين من شعرهما إذا اتّفقتا في الوزن و القافية و إعراب القافية، و بين معنى و معنى، مع بيان أيهما أشعر في تلك القصيدة، و في ذلك المعنى، ثمّ بترك الحكم حينئذ للقارىء على جملة ما لكل واحد منهما، إذا أحاط علما بالجيد و الرديء [٣]. فالموازنة في الواقع دراسة تطبيقية للصورة و المحسنات في شعر الشاعرين.
و ليس يعنينا من الموازنة هنا إلّا ما جاء فيها متصلا بعلم البيان، و هو الباب الذي عقده الآمدي لما عيب من الاستعارة عند أبي تمام، فهو في هذا الباب يذكر القبيح من استعارات أبي تمام، و مصدر هذا القبح في نظره هو غلوّ أبي تمام و إغراقه في استعاراته، و يقول: «إنّ للاستعارة حدا تصلح فيه، فإذا جاوزته فسدت و قبحت». ثمّ يشير إلى الاستعارة إشارات عامة من غير تحديد لها كقوله: «و إنّما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا
[١] الموازنة: ص ٤- ٥.
[٢] نفس المرجع ص: ٥.
[٣] الموازنة ص: ٥.