علم البيان - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٢٦
حيث هي رؤية، و كان الإنس لنفيها الشك و الرّيب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم من قبل.
و لو أن رجلا أراد أن يضرب لك مثلا في تنافي الشيئين فقال: هذا و ذاك هل يجتمعان؟ و أشار إلى ماء و نار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك بالقول فقال: هل يجتمع الماء و النار؟
و سبب آخر من أسباب بلاغة التشبيه و تأثيره في النفس عند عبد القاهر هو التماس شبه للشيء في غير جنسه و شكله، لأن التشبيه لا يكون له موقع من السامعين و لا يهزّ و لا يحرّك حتى يكون الشبه مقررا بين شيئين مختلفين في الجنس، كتشبيه العين بالنرجس و تشبيه الثريا بما شبّهت به من عنقود الكرم المنوّر.
و في ذلك يقول: «و هكذا إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشدّ كانت إلى النفوس أعجب، و كانت النفوس لها أطرب، و كان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب».
«و ذلك أن موضع الاستحسان، و مكان الاستظراف، و المثير للدفين من الارتياح، و المتألف للنافر من المسرّة، و المؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى بها- التشبيهات- الشيئين مثلين متباينين، و مؤتلفين مختلفين، و ترى الصورة الواحدة في السماء و الأرض، و في خلقة الإنسان و خلال الروض ...».
«و مبنى الطباع و موضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، و خرج من موضع ليس بمعدن له كانت صبابة النفوس به أكثر، و كان الشغف منها أكثر و أجدر. فسواء في إثارة التعجب، و إخراجك إلى روعة المستغرب وجودك الشيء في مكان ليس من أمكنته،