بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٨٨
ثم قال : « وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين » وطلع كافرا ، [١] وعلم الله تعالى ذكره أنه إن بقي كفر أبواه وافتتنا به وضلا بإضلاله إياهما ، فأمرني الله تعالى ذكره بقتله وأراد بذلك نقلهم إلى محل كرامته في العاقبة ، فاشترك بالابانة بقوله : « فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما » وإنما اشترك في الابانة لانه خشي والله لا يخشى لانه لا يفوته شئ ولا يمتنع عليه أحد أراده[٢] وإنما خشي الخضر من أن يحال بينه وبين ما امر فيه فلا يدرك ثواب الامضاء فيه ، ووقع في نفسه أن الله تعالى ذكره جعله سببا لرحمة أبوي الغلام ، فعمل فيه وسط الامر من البشرية مثل ما كان عمل في موسى ٧ لانه صار في الوقت مخبرا وكليم الله موسى ٧ مخبرا ، ولم يكن ذلك باستحقاق للخضر ٧ للرتبة على موسى ٧ وهو أفضل من الخضر ، بل كان لاستحقاق موسى للتبيين.
ثم قال : « وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا » ولم يكن ذلك الكنز بذهب ولا فضة ، ولكن كان لوحا من ذهب فيه مكتوب : عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! عجب لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! عجب لمن أيقن أن البعث حق كيف يظلم؟! عجب لمن؟ رى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف
[١]في نسخة : وطبع كافرا.
[٢]أقول : على بعض ما ذكرنا من الوجوه يمكن أن يكون حاصل الكلام أن اشتراكه مع الرب تعالى في الابانة واظهار الفعل لم يكن الا لانه صار في الوقت مخبرا ومعلما لموسى ٧ مع كونه أفضل ، ولهذا الوجه أيضا عمل فيه البشرية فصار سببا للاشتراك في الابانة ، فقوله : ( لانه خشى ) تعليل لاسناد الاشتراك في الابانة في قوله : « فخشينا » إلى البشرية كما أومأنا اليه. وتفطن بعض الازكياء من أصحابنا عند عرضه على بوجه آخر : وهو أن يكون الابانة في المواضع هى الارادة فقط او اريد بها الارادة لانه نسب الارادة في أول الكلام إلى نفسه وفى آخره إلى الرب ، و شركها في وسط الكلام بين نفسه وبين الرب تعالى بقوله : « فاردنا ». وقوله : وإنما اشترك في الابانة بيان لانه لم خصصنا الاشتراك بالابانة أى الارادة لان في الخشية لا يتعقل ارادة الاشتراك لان الخوف لا يناسب جنابه سبحانه بوجه من الوجوه ، فلا يمكن أن ينسب إلى الخضر ٧ أن ينسبه إليه تعالى ، فلابد أن يكون أراد بقوله : « خشينا » نفسه فقط وقوله : ( ووقع في نفسه ) بيان لان الاشتراك في الارادة كان من عمل البشرية ، ولم يكن على ما ينبغى ، وهذا ايضا وجه حسن وإن كان ما ذكرنا أتم وأكمل. والله يعلم. منه ١ الشريف.