آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٥٧ - سورة النساء(٤) الآيات ١٦ الى ١٧
فَأَمْسِكُوهُنَ حبسافِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَ أي يأخذهن و يستوفيهنالْمَوْتُ و قد تكلف في الكشاف و تبعه الرازي إذ قدرا حتى يميتهن ملائكة الموت. و قد قدمنا الكلام في معنى التوفي في الجزء الأول ص ٣٣- ٣٧أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ و يشرعلَهُنَّ سَبِيلًا من غير شريعة الحبس مما هو مؤدب و مقاوم لمادة فساد الزنا. و قد جرى الأمر في كلتا الشريعتين على حكمة التشريع من حيث المسايرة في أول الأمر مع الناس فيما يألفونه في مقام المحافظة على ناموس العفة و ان كان غير واف بالمصلحة المطلوبة في هذا المقام حتى إذا استحكم أمر الدين و ساد الخضوع للشريعة شرع الحكم الموافق للمصلحة العامة و نظام الاجتماع كما نطقت به رواية النعماني و اشارت اليه الغاية في الآية الكريمة. هذا في مقام صون المرأة عن معاودة الزنا و أما ما يعود إلى مقام الردع و التأديب في أول التشريع فهو ما قاله جل شأنه
]سورة النساء (٤): الآيات ١٦ الى ١٧]
وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧)
١٦وَ الَّذانِ أي الزاني و الزانيةيَأْتِيانِها أي فاحشة الزنامِنْكُمْ باعتبار تلقي المسلمين لأحكام الشريعة حينئذ و ان كان عاما أو لعلم اللّه بأن هذه الشريعة قبل نسخها لا يتيسر للمسلمين إجراؤها على غيرهمفَآذُوهُما بما يعتاد بينكم نوعا من الإيذاء في مقام الردع عن الزنا من التوبيخ و الضرب و نحو ذلكفَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا أعمالهما ليكون ذلك إمارة على التوبة الحقيقيةفَأَعْرِضُوا عَنْهُما من حيث الإيذاء. و لا يتقيد الاعراض بتوبتهما معا. بل يعرض عن الإيذاء لمن عرفت توبته منهما بإصلاح عمله. كما تقتضيه حكمة التوبةإِنَّ اللَّهَ كانَ من الأزل و إلى الأبدتَوَّاباً على التائبينرَحِيماً بعباده لا يريد إلا صلاحهم. و لكن لا يغتر المغترون باسم التوبة الجارية على حكمة الرحمة و الإصلاح و الاستصلاح بل التوبة حقيقة هي التي تجري عليها رحمة اللّه و حكمته. فما كل من قال تبت تاب اللّه عليه كما كتب بلطفه و غناه على نفسه الرحمة بل ١٧إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ بمقتضى رحمته و لطفه و حكمتهلِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ منهم. و ذكرت الجهالة للتوضيح و التوبيخ فان كل عمل للسوء إنما يكون بجهالة و عمى و لو أبصر الإنسان وجه رشده و عرف ببصيرته ما فيه صلاحه لما عمل السوء و لما استولت عليه النفس الأمارة و غواية