آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٢٢ - سورة النساء(٤) آية ٤٣
من كلام الراوي و الظاهر ايضا ان قوله نزلت هذه الآية في المسافر إنما هو بالنظر إلى قوله تعالىأَوْ عَلى سَفَرٍ. و أما النسبة إلى ابن عباس فمنشأها بحسب الظاهر ما ذكر روايته عنه في الدر المنثور بنحو روايته عن علي (ع). و الكلام فيها كما تقدم. و قد ذكر في الدر المنثور من اخرج عن ابن عباس في قوله تعالىإِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ قال لا تدخلوا المسجد إلا عابري سبيل تمر به مرا و لا تجلس. و عن البيهقي عن انس نحوه. و عن ابن جرير و عبد الرزاق و البيهقي عن ابن مسعود نحوه. و عن ابن جرير عن ابن مسعود ايضا هو الممر في المسجد و
في علل الصدوق في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر (ع) قالا قلنا له الحائض و الجنب يدخلان المسجد ام لا قال الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين إن اللّه تبارك و تعالى يقولوَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا. و عن العياشي عن زرارة عن الباقر نحوه. و في تفسير القمي سئل الصادق (ع) عن الحائض و الجنب و ذكر نحوه.
هذا كله مع ان تفسير عابري سبيل بالمسافرين يوجب التكرار المخل في الآية بقوله تعالىأَوْ عَلى سَفَرٍ و ينحط بذلك أسلوب الآية عن كرامة القرآن الكريم. و مدلول هذه الروايات عليه اجماع الإمامية. و لا يضر فيه كلام سلار في مراسمه و كذا الصدوق في المقنع لموافقته في الفقيه و الهداية للأصحاب بل و في المقنع لما ذكره في الأخذ من المسجد و الوضع فيه. و مذهب الشافعي مثل مذهب الأصحاب. و نسب اليه بناءه على جواز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي و المعنى المجازي بأن تكون الصلاة في الآية قد استعملت في معناها الحقيقي و في موضعها و هو المسجد. و لا أظنه بناه على ذلك إذ يلزم منه منع من جاء من الغائط عن الدخول في المسجد حتى يغتسل او يتيمم و هو لا يقول بذلك فإن التفرقة في الأحكام بين المعنيين لو صح استعمال اللفظ فيهما معا إنما هي مجازفة. و لكن الوجه في دلالة الآية على ما ذكرناه هو ان نهي الجنب عن قربه للصلاة يختلج منه في الذهن نهيه عن دخوله للمسجد لأجل حرمته و شدة ارتباطه بالصلاة خصوصا في عصر النزول فكأنه من مناحي قرب الصلاة المنهي عنه فجاء قوله تعالىإِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ بمنزلة الاستثناء المفرغ في دلالته على مضمونه بالمطابقة و على المستثنى منه بدلالة الالتزام و اقتضاء الأسلوب. فكأنه قيل و لا ندخل المسجد و نحن جنب فقيل نعم إلا عابري سبيل. و لمثل هذا الأسلوب البارع و هذه الدلالة بالإشارة الجميلة نظائر في بليغ الكلام منها ما ذكرناه في الجزء الأول ص ١٥٥ من قوله تعالىفَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ. و ما استشهد