آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٠٩ - سورة النساء(٤) آية ٣٦
الضمير عائدا إلى الحكمين فإن أرادا إصلاح شأن الزوجين و كان ذلك من نيتهما لا ميل كل واحد لجانبيُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما و يجمع رأيهما على الصوابإِنَّ اللَّهَ كانَ و لا يزالعَلِيماً بحقائق الأمور و حكمتهاخَبِيراً بالسرائر و النيات. ثم شاء اللّه ان يواصل لطفه على الإنسان بهدايته إلى اسباب السعادة و صالح الأعمال و مكارم الأخلاق و حسن السلوك في الحياة الدنيا و القيام بحقوق النوع. و صدّر ذلك بأفضل الأوامر و أساس النجاة و روح الصلاح و جامع الهدى فقال جلت آلاؤه
]سورة النساء (٤): آية ٣٦]
وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ بِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى وَ الْجارِ الْجُنُبِ وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦)
٣٦وَ اعْبُدُوا اللَّهَ إلهكم يا أيها الناسوَ لا تُشْرِكُوا بِهِ في العبادةشَيْئاً و هذا النهي بمنزلة التفسير للأمر المعطوف عليه فإن عبادة اللّه لا تستقيم لها حقيقة مع الإشراك به في العبادة و قد تقدم بعض البيان لمعنى العبادة في الجزء الأول ص ٥٧ حتى ٥٩ و حاصل الأمر هنا استشعروا مظاهر الخضوع للّه إلهكم بالخضوع الذي يوفى به حق امتياز اللّه إله العالمين بالإلهية. و يقرب ان ينظر في معنى العبادة إلى طاعة اللّه إله العالمين في أوامره و نواهيه باعتبار الخضوع لمقام إلهيته بالطاعة و الإذعان لان الطاعة هي باب السعادة في الدارين و ينظر بالشرك هنا الى ما يعم مخالفة اللّه بالاتباع للهوى و الانقياد للشيطان فإن ذلك و إن لم يوجب منه محض المعاصي في الأعمال كفرا و خروجا عن الدين لكنه خلل في حق الخضوع للّه و مقام إلهيته على حد قوله في سورة يسأَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌوَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي أحسنوا إحسانا نائب عن فعله في الدلالة على الأمر و التأكيد في الإغراء بالإحسان يقال احسن اليه و أحسن به كما يقال أساء اليه و أساء به كما في قول كثير:-
اسيئي بنا او احسني لا ملومة
لدينا و لا مقلية ان تقلت
و قد تكرر قوله تعالى في الوصية بالوالدينوَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً كما في سورة البقرة ٨١ و الأنعام ١٥٠ و الاسراء ٢٢. و إن قول القائل احسن به و بالوالدين إحسانا يدل على دوام الإحسان و عدم الإساءة. و ذلك لأن معناه جعل فعله به حسنا و إحسانا و معنى الآية و أحسنوا بالوالدين فعلكم معهم. و هذا الوجه ظاهر من شعر كثير و ان كان في استعمال