الشمائل المحمديه للترمذي - ط احياء التراث - الترمذي، أبو عيسى - الصفحة ١٩٢ - ٤٦- باب ما جاء في تواضع رسول اللّه
يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، فذكر الحديث بطوله [١]. قال الحسن:
فكتمتها الحسين زمانا، ثم حدّثته فوجدته قد سبقني إليه. فسأله عما سألته عنه، و وجدته قد سأل أباه عن مدخله و مخرجه و شكله فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: كان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا للّه و جزءا لأهله، و جزءا لنفسه. ثم جزّأ جزأه بينه و بين النّاس فيردّ ذلك بالخاصة على العامة [٢]، و لا يدّخر عنهم شيئا، و كان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، و قسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، و منهم ذو الحاجتين، و منهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم و يشغلهم فيما يصلحهم و الأمة من مساءلتهم عنه و إخبارهم بالذي ينبغي لهم، و يقول: ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يستطع إبلاغها، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطع إبلاغها ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلّا ذلك و لا يقبل من أحد غيره. يدخلون روّادا [٣] و لا يفترقون إلّا عن ذواق [٤]، و يخرجون أدلة [٥] يعني على الخير. قال فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؛ قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخزن [٦] لسانه إلا فيما يعنيه، و يؤلفهم و لا ينفرهم [٧]، و يكرم كريم كل قوم و يوليه عليهم، و يحذّر الناس و يحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره و خلقه، و يتفقد أصحابه، و يسأل الناس عمّا في
[١] و قد تقدم هذا الحديث في باب ما جاء في خلق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حديث رقم ٧.
[٢] المراد بالخاصة: الصحابة الذين يكثرون الدخول عليه كالخلفاء الأربعة و المراد بالعامة الذين لم يعتادوا الدخول عليه.
فالخواص يأخذون عنه و هم يبلغونها بقية الناس.
[٣] الرواد: جمع رائد، و هو في الأصل من يتقدم القوم لينظر إليهم الكلأ و مساقط الماء و المراد هنا أكابر الصحابة.
[٤] و المعنى لا يتفرقون من عنده الا بعد استفادة علم وفير.
[٥] أي هداة للناس.
[٦] أي يحبس.
[٧] و قد وصفه ربه يقوله وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. آل عمران ١٥٩.