البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٤ - مفهوم البلاغة عند سهل بن هارون
و كان سهل بن هارون شديد الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة و الجهارة، و بالحلاوة و الفخامة، و جودة اللهجة و الطلاوة.
و إذا صرنا إلى ذكر ما يحضرنا من تسمية خطباء بني هاشم، و بلغاء رجال القبائل، قلنا في وصفهما على حسب حالهما، و الفرق الذي بينهما و لأننا عسى أن نذكر جملة من خطباء الجاهليين و الإسلاميين، و البدويين و الحضريين، و بعض ما يحضرنا من صفاتهم و أقدارهم و مقاماتهم، و باللّه التوفيق.
ثم رجع القول بنا إلى ذكر الإشارة.
و روى أبو شمر [١] عن معمّر أبي الأشعث [٢] ، خلاف القول الأول في الإشارة و الحركة عند الخطبة، و عند منازعة الرجال و مناقلة الأكفاء.
و كان أبو شمر إذا نازع لم يحرّك يديه و لا منكبيه، و لم يقلب عينيه، و لم يحرّك رأسه، حتى كأن كلامه إنما يخرج من صدع صخرة. و كان يقضي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك، و بالعجز عن بلوغ إرادته. و كان يقول:
ليس من حق المنطق أن تستعين عليه بغيره، حتى كلمه إبراهيم بن سيار النظام [٣] عند أيوب بن جعفر، فاضطره بالحجة، و بالزيادة في المسألة، حتى حرّك يديه و حل حبوته، و حبا إليه حتى أخذ بيديه. و في ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول إبراهيم. و كان الذي غرّ أبا شمر و موّه له هذا الرأي، أن أصحابه كانوا يستمعون منه، و يسلمون له و يميلون إليه، و يقبلون كل ما يورده عليهم، و يثبته عندهم، فلما طال عليه توقيرهم له، و ترك مجاذبتهم إياه، و خفت مئونة الكلام عليه-نسي حال منازعة الأكفاء و مجاذبة
[١] أبو شمر: مرجئ قدري يقول إن الإيمان هو المعرفة و الاقرار باللّه و بما جاء من عنده و ما عرف بالعقل من عدل و توحيد.
[٢] معمر بن الأشعث: هو معمر بن عباد السلمي (٢١٥ هـ) معتزلي و صاحب فرقة المعمرية.
قال بالطبع و الكمون و نفى الصفات الأزلية عن اللّه.
[٣] النظام: صاحب فرقة النظامية و شيخ الجاحظ (١٦٠-٢٣١ هـ) قال إن الاجسام تنقسم إلى ما لا نهاية، و أحدث القول بالطفرة، كما قال بالكمون.