البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٨٨ - أحسن الكلام
و قد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، و إذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
و قال الحسن رحمه اللّه، و سمع رجلا يعظ، فلم تقع موعظته بموضع من قلبه، و لم يرق عندها، فقال له: «يا هذا، إن بقلبك لشر أو بقلبي» .
و قال علي بن الحسين بن علي رحمه اللّه: لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، و جملة الحال في صواب التبيين، لأعربوا عن كل ما تخلج في صدورهم، و لوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم. و على أن درك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدة، و الفكرة القصيرة المدة، و لكنهم من بين مغمور بالجهل، و مفتون بالعجب و معدول بالهوى عن باب التثبت، و مصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
و قد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: «صلاح شأن جميع التعايش و التعاشر، ملء مكيال ثلثاه فطنة، و ثلثه تغافل» . فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، و لا حظا في الصلاح لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شيء قد فطن له و عرفه.
و ذكر هذه الثلاثة الأخبار إبراهيم بن داحة، عن محمد بن عمير. و ذكرها صالح بن علي الأفقم، عن محمد بن عمير. و هؤلاء جميعا من مشايخ الشيع، و كان ابن عمير أغلاهم.
و أخبرني إبراهيم بن السندي، عن علي بن صالح الحاجب، عن العباس ابن محمد قال: قيل لعبد اللّه بن عباس: أنّى لك هذا العلم؟قال: «قلب عقول، و لسان سئول» . و قد رووا هذا الكلام عن دغفل بن حنظلة العلامة.
و عبد اللّه أولى به منه. و الدليل على ذلك قول الحسن: إن أول من عرف بالبصرة ابن عباس، صعد المنبر فقرأ سورة البقرة، ففسرها حرفا حرفا، و كان مثجا يسيل غربا.
المثج: السائل الكثير، و هو من الثجاج. و الغرب، هاهنا: الدوام.