البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٩٨ - مدح اللسن و البيان و الكلام الجميل المعدل
صدت هنيدة لما جئت زائرها # عني بمطروفة إنسانها غرق
و راعها الشيب في رأسي فقلت لها # كذاك يصفرّ بعد الخضرة الورق
بل موقف مثل حد السيف قمت به # أحمي الذمار و ترميني به الحدق
فما زللت و لا ألفيت ذا خطل # إذا الرجال على أمثالها زلقوا
قال: و أنشدني لأعرابي من باهلة:
سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني # غنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها # على الحر بالإقلال و سم هوان
متى يتكلم يلغ حسن حديثه # و إن لم يقل قالوا عديم بيان
كأن الغنى عن أهله، بورك الغنى # بغير لسان ناطق بلسان
و في مثلها في بعض الوجوه قال عروة بن الورد:
ذريني للغنى أسعى فإني # رأيت الناس شرهم الفقير
و أهونهم و أحقرهم لديهم # و إن أمسى له كرم و خير [١]
و يقصى في النديّ و تزدريه # حليلته و ينهره الصغير [٢]
و تلقى ذا الغنى و له جلال # يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه و الذنب جم # و لكنّ الغنى ربّ غفور
و قال ابن عباس رحمه اللّه: «الهوى إله معبود» . و تلا قول اللّه عزّ و جل: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلىََ عِلْمٍ .
و قال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل [٣] :
تلك عرساي تنطقان على عمد # لي اليوم قول زور و هتر
[١] الخير: الشرف و الأصل.
[٢] الندي: مجلس القوم.
[٣] أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرين و الصحابة الذين أسلموا مبكرا. توفي عام ٥٠ هـ. و الأبيات مختلف في نسبتها إليه.