البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٠٧ - جعفر بن يحيى
و هذا هو تأويل قول الأصمعيّ: «البليغ من طبق المفصل [١] ، و أغناك عن المفسّر» .
و خبرني جعفر بن سعيد، رضيع أيوب بن جعفر و حاجبه، قال: ذكرت لعمرو بن مسعدة [٢] ، توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب و أسافلها فوجدتها أجود اختصارا و أجمع للمعاني.
قال: و وصف أعرابي أعرابيا بالإيجاز و الإصابة فقل: «كان و اللّه يضع الهناء مواضع النقب [٣] » . يظنون أنه نقل قول دريد بن الصمة، في الخنساء بنت عمرو بن الشريد، إلى ذلك الموضع، و كان دريد قال فيها:
ما إن رأيت و لا سمعت به # في الناس طالي أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه # يضع الهناء مواضع النقب
و يقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز: «فلان يفل المحز، و يصيب المفصل» . و أخذوا ذلك من صفة الجزار الحاذق، فجعلوه مثلا للمصيب الموجز.
و أنشدني أبو قطن الغنويّ، و هو الذي يقال له شهيد الكرم، و كان أبين من رأيته من أهل البدو و الحضر:
فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجد # عليّ لمخلوق من الناس درهما
و لكنني مولى قضاعة كلها # فلست أبالي أن أدين و تغرما
أولئك قوم بارك اللّه فيهم # على كلّ حال ما أعفّ و أكرما
جفاة المحز لا يصيبون مفصلا # و لا يأكلون اللحم إلا تخذما
[١] طبق المفصل: أصابه إصابة محكمة فأبان العضو من العضو.
[٢] عمرو بن مسعدة أحد كتاب المأمون، توفي سنة ٢١٧ هـ، أما جعفر بن سعيد و أيوب بن جعفر فمعتزليان معاصران للجاحظ كان الأول بخيلا، و الثاني عالما بأخبار الدولة العباسية و رجالها.
[٣] الهناء: نوع من القطران تطلى به الإبل. النقب: أول ما يبدو من الجرب.