البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩ - مقدمة عامة
للاحتجاج على أرباب النحل و زعماء الملل و أنه لا بد له من مقارعة الأبطال و من الخطب الطوال [١] .
و قد يخطر على الذهن افتراض آخر و هو محاكاة الجاحظ أرسطو في معالجة هذا الموضوع. لقد بحث أرسطو في الحيوان فجاء الجاحظ يطرق الموضوع ذاته، و بحث أرسطو في الخطابة و في الشعر، فهل أراد الجاحظ معارضته في هذا المضمار أيضا؟من الثابت أن كلا الرجلين بحثا الموضوع ذاته، و لكن الخلاف بينهما في الآراء و المنهج كبير. و لم يكن الجاحظ من المعجبين بأرسطو، و قد انتقده مرارا في كتاب الحيوان و في كتاب الحيوان و في كتاب البيان و التبيين. لنسمعه يقول عن أرسطو: «و لليونان فلسفة و صناعة منطق، و كان صاحب المنطق نفسه بكيء اللسان غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام و تفصيله و معانيه و بخصائصه... » . أضف إلى ذلك أنه لم يذكر أنه اطلع على كتاب الخطابة لأرسطو أو على كتاب الشعر، بينما ذكر كتاب الحيوان لأرسطو مرارا عديدة.
لقد تكلم الجاحظ على صفات الخطيب مثل أرسطو و لكنه اهتم على عكس أرسطو بظاهره و لم يحفل بباطنه و أخلاقه. و رأى أن أهم صفات الخطيب جهارة الصوت وسعة الفم و رباطة الجأش و سكون الجوارح و قلة اللحظ، و أبشع عيوبه العي أو الحصر ثم اللثغة و اللحن و اللكنة و التشديق و التقعيب و التزيد.
و تحدث على غرار أرسطو عن أنواع الخطب و لكنه لم يتعمق في ذلك كأرسطو و اكتفى بذكر بعضها دون توقف مثل خطبة المحافل، و خطبة النكاح، و خطبة الوعظ.
و بحث في بناء الخطبة كأرسطو، و لكنه اقتصر على الناحية الفنية و لم يحفل بالناحية الفكرية. فلاحظ أن الخطبة تكون طويلة أو قصيرة، و تبدأ بالتحميد و التمجيد و إلا عدت بتراء، و توشح بآي القرآن و إلا سميت شوهاء.
[١] المصدر ذاته، ج ١، ص ١٤.