البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٥٩ - الخطباء الشعراء
كقس إياد أو لقيط بن معبد # و عذرة و المنطيق زيد بن جندب
و أول هذه المرثية قوله:
نعى ابن حريز جاهل بمصابه # فعمّ نزارا بالبكا و التحوب [١]
نعاه لنا كالليث يحمي عرينا # و كالبدر يعشي ضوؤه كل كوكب
و أصبر من عود و أهدى إذا سرى # من النجم في داج من الليل غيهب [٢]
و أذرب من حد السنان لسانه # و أمضى من السيف الحسام المشطب [٣]
زعيم نزار كلها و خطيبها # إذا قام طأطأ رأسه كل مشغب
سليل قروم سادة ثم قالة # يبذون يوم الجمع أهل المحصب
كقس إياد أو لقيط بن معبد # و عذرة و المنطيق زيد بن جندب
في كلمة له طويلة. و إياهم عنى الشاعر بقوله:
يرمون بالخطب الطوال و تارة # وحي الملاحظ خيفة الرقباء
قال: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب، كاتب زهير و مولى بجيلة من سبي دابق، و كان شاعرا راوية، و طلابة للعلم علامة، قال: سمعت أبا داود ابن حريز يقول و قد جرى شيء من ذكر الخطب و تحبير الكلام و اقتضابه، و صعوبة ذلك المقام و أهواله، فقال: «تلخيص المعاني رفق. و الاستعانة بالغريب عجز، و التشادق من غير أهل البادية بغض، و النظر في عيون الناس عي، و مس اللحية هلك، و الخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب» .
قال: و سمعته يقول: «رأس الخطابة الطبع، و عمودها الدربة، و جناحاها رواية الكلام، و حليها الإعراب، و بهاؤها تخير الألفاظ. و المحبة مقرونة بقلة الاستكراه» . و أنشدني بيتا له في صفة خطباء إياد:
[١] التحوب: البكاء في جزع و صياح.
[٢] العود، بالفتح: الجمل المسن و فيه بقية.
[٣] الذرب: الحدة. الحسام: القاطع. المشطب: الذي فيه طرائق في متنه.