البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٤٠ - لثغة واصل بن عطاء و أخباره
حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح [١] قال: قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، و أكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم. أنتم تسمون القدر برمة و تجمعون البرمة على برام، و نحن نقول قدر و نجمعها على قدور، و قال اللّه عز و جل:
وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ . و أنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت علية، و تجمعون هذا الاسم على علالي، و نحن نسميه غرفة و نجمعها على غرفات و غرف. و قال اللّه تبارك و تعالى: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهََا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ و قال: وَ هُمْ فِي اَلْغُرُفََاتِ آمِنُونَ . و أنتم تسمون الطلع الكافور و الا غريض و نحن نسميه الطلع. و قال اللّه تبارك و تعالى: وَ نَخْلٍ طَلْعُهََا هَضِيمٌ . فعد عشر كلمات لم أحفظ أنا منها إلا هذا. أ لا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، و لذلك يسمون البطيخ الخربز، و يسمون السميط الرزدق [٢] ، و يسمون المصوص المزور [٣] ، و يسمون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء و كذلك أهل الكوفة، فإنهم يسمون المسحاة بال، و بال بالفارسية.
و لو علق ذلك لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس و أقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط و أقصى بلاد العرب.
و يسمي أهل الكوفة الحوك الباذروج [٤] ، و الباذروج بالفارسية، و الحوك كلمة عربية. و أهل البصرة إذ التقت أربع طرق يسمونها مربعة، و يسميها أهل الكوفة الجهار سوك، و الجهار سوك بالفارسية. و يسمون السوق و السويقة
[١] عبد الكريم بن روح: أحد الرواة الذين أخذ عنهم الجاحظ و قد ذكره مرارا في كتبه و قد اتصل بمحمد بن المناذر الشاعر و عالم اللغة في عصره.
[٢] السميط: الآجر المصفوف.
[٣] المصوص: لحم ينقع في الخل و يطبخ.
[٤] الباذروج: ريحانة معروفة.