البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٤٨ - باب من الأسجاع في الكلام
قال: و لما وفد الأحنف في وجوه أهل البصرة إلى عبد اللّه بن الزبير، تكلم أبو حاضر الأسيدي و كان خطيبا جميلا، فقال له عبد اللّه بن الزبير:
أسكت، فو اللّه لوددت أنّ لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن لنا و لك مثلا، أ فتأذن في ذكره؟قال: نعم. قال: مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام، كقول الأعشى حيث يقول:
علّقتها عرضا و علقت رجلا # غيري و علّق أخرى غيرها الرجل
أحبك أهل العراق، و أحببت أهل الشام، و أحب أهل الشام عبد الملك ابن مروان.
عليّ بن مجاهد [١] ، عن حميد بن أبي البختري قال: ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد، فقال ابن الزبير: إني أناديك و لا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، و تفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم، و التفكر قبل التندم» . فضحك معاوية ثم قال: تعلمت أبا بكر السّجاعة عند الكبر، إن في دون ما سجعت به على أخيك ما يكفيك. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير.
أخبرنا ثمامة بن أشرس، قال: لما صرفت اليمانية من أهل مزّة، الماء عن أهل دمشق، و وجهوه إلى الصحارى، كتب إليهم أبو الهيذام: «إلى بني استها أهل مزة، ليمسينني الماء أو لتصبحنكم الخيل» قال: فوافاهم الماء قبل أن يعتموا. فقال أبو الهيذام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» . و حدثني ثمامة عن من قدم عليه من أهل دمشق قال: لما بايع الناس يزيد بن الوليد، و أتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكؤ و التحبّس، كتب إليه:
[١] علي بن مجاهد الفقيه القاضي الراوية، روى عن ابن إسحاق و الثوري و جماعة، و روى عنه أحمد بن حنبل و غيره.