البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٢٦ - عودة إلى المفاضلة بين الصمت و الكلام
و السلامة فوق الغنيمة، لأن السلامة أصل و الغنيمة فرع.
و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه يبغض البليغ الذي يتخلّل بلسانه، تخلل الباقرة بلسانها» .
و قيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب» .
قال صاحب البلاغة و الخطابة، و أهل البيان و حب التبيّن: إنما عاب النبي صلّى اللّه عليه و آله المتشادقين و الثرثارين و الذي يتخلّل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها، و الأعرابيّ المتشادق، و هو الذي يصنع بفكيه و بشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منكم فهو أعيب، و الذم له ألزم.
و قد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، و لم يكن الناس جميعا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق و الانتفاع، و مدار العلم على الشاهد و المثل، و إنما حثوا على الصمت لأن العامة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. و معنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، و إلا فإن السكوت عن قول الحقّ في معنى النطق بالباطل. و لعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول و العمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، و السكوت عن جميع القول. و ليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، و لا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت. و قد قال اللّه عز و جل: سَمََّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكََّالُونَ لِلسُّحْتِ . فجعل سمعه و كذبه سواء.
و قال الشاعر:
بني عدي ألا يا انهوا سفيهكم # إن السفيه إذا لم ينه مأمور
و قال آخر:
فإن أنا لم آمر و لم أنه عنكما # ضحكت له حتى يلجّ و يستشري
و كيف يكون الصمت أنفع، و الإيثار له أفضل، و نفعه لا يكاد يجاوز رأس