البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٢٠ - باب من الخطب القصار من خطب السلف، و مواعظ من مواعظ النساك، و تأديب من تأديب العلماء
و قال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على اللّه أنه لا يعصى إلا فيها، و لا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال شريح [١] : «الحدة كناية عن الجهل» .
و قال أبو عبيدة: «العارضة [٢] كناية عن البذاء» .
قال: و إذا قالوا فلان مقتصد فتلك كناية عن البخل، و إذا قالوا للعامل مستقص فتلك كناية عن الجور.
و قال الشاعر، أبو تمام الطائي:
كذبتم ليس يزهى من له حسب # و من له نسب عمّن له أدب
إني لذو عجب منكم أردده # فيكم، و في عجبي من زهوكم عجب
لجاجة لي فيكم ليس يشبهها # إلا لجاجتكم في أنكم عرب
و قيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟قالت: إن مصيبته أمّنتني من المصائب بعده.
قال: و قال سعيد بن عثمان بن عفان رحمه اللّه لطويس المغني: أيّنا أسنّ أنا أم أنت يا طويس؟فقال: «بأبي أنت و أمي، لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب» . فانظر إلى حذقه و إلى معرفته بمخارج الكلام، كيف لم يقل: زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك. و هكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى.
قال: و قال رجل من أهل الشام: كنت في حلقة أبي مسهر [٣] ، في
[١] شريح بن الحارث بن قيس الكندي الكوفي القاضي. عينه عمر قاضيا على الكوفة و أقره عليها عثمان، و ولاه زياد قضاء البصرة، توفي سنة ٧٢ هـ.
[٢] العارضة: القدرة على الكلام.
[٣] هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني، امتحنه المأمون في خلق القرآن و حبسه في بغداد و مات فيها سنة ٢١٨ هـ.