البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٠٢ - آراء في الخطباء و الشعراء و العلماء
و اصدع أديم السواء بينهم # على رضا من رضي و من رغما
إن كان مالا فقضّ عدّته # مالا بمال و إن دما فدما
حتى ترى ظاهر الحكومة # مثل الصبح جلى نهاره الظلما
هذا و إن لم تطق حكومتهم # فانبذ إليهم أمورهم سلما
الصتم: الصحيح القوي، يقال رجل صتم، إذا كان شديدا.
و قال العائشي: كان عمر بن الخطاب-رحمه اللّه-أعلم الناس بالشعر، و لكنه كان إذا ابتلي بالحكم بين النجاشي و العجلاني [١] ، و بين الحطيئة و الزبرقان، كره أن يتعرض للشعراء، و استشهد للفريقين رجالا، مثل حسان بن ثابت و غيره، ممن تهون عليهم سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، و كان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعا للفريقين، و يكون هو قد تخلص بعرضه سليما، فلما رآه من لا علم له يسأل هذا و هذا، ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره.
و قال: و لقد أنشدوه شعرا لزهير-و كان لشعره مقدّما-فلما انتهوا إلى قوله:
و إن الحقّ مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء
قال عمر كالمتعجب من علمه بالحقوق و تفصيله بينها، و إقامته أقسامها:
و إن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو نفار أو جلاء
يردّدن البيت من التعجب.
[١] النجاشي هو قيس بن عمر بن كعب شرب الخمر في رمضان فجلده علي فهرب إلى معاوية. و سمي النجاشي لسواد لونه كالأحباش. أما العجلاني فهو تميم بن أبي مقبل من عجلان أسلم و لكنه ظل يبكي أهل الجاهلية.