البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٧٨ - البيان منزلة بين الإسهاب و الإيجاز
و قال الشاعر:
إن الحديث تغر القوم خلوته # حتى يلجّ بهم عي و إكثار
و في المثل المضروب: «كل مجر في الخلاء مسرّ» ، و لم يقولوا مسرور. و كل صواب.
فلا تثق في كلامك برأي نفسك، فإني ربما رأيت الرجل متماسكا و فوق المتماسك، حتى إذا صار إلى رأيه في شعره، و في كلامه، و في ابنه، رأيته متهافتا و فوق المتهافت.
و كان زهير بن أبي سلمى، و هو أحد الثلاثة المتقدمين، يسمي كبار قصائده «الحوليات» .
و قال نوح بن جرير: قال الحطيئة: «خير الشعر الحوليّ المنقّح» .
قال و قال: البعيث الشاعر، و كان أخطب الناس: «إني و اللّه ما أرسل الكلام قضيبا خشيبا [١] ، و ما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك» .
و كنت أظن أن قولهم «محكك» كلمة مولدة، حتى سمعت قول الصعب بن علي الكناني:
أبلغ فزارة أن الذئب آكلها # و جائع سغب شرّ من الذيب
أزل أطلس ذو نفس محككة # قد كان طار زمانا في اليعاسيب [٢]
و تكلم يزيد بن أبان الرقاشي، ثم تكلم الحسن، و أعرابيان حاضران فقال أحدهما لصاحبه: كيف رأيت الرجلين؟فقال: أما الأول فقاصّ مجيد، و أما الآخر فعربي محكك.
قال: و نظر أعرابي إلى الحسن، فقال له رجل: كيف تراه؟قال: أرى خيشوم حرّ.
[١] الخشيب: السيف الذي لم يصقل.
[٢] الأزل: السريع، الأطلس: ما لونه أغبر إلى أسود.