البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٦٩ - ذم فضول الكلام و مدح الصمت
قال: و روى حمّاد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم [١] قال:
«إنما يهلك الناس في فضول الكلام، و فضول المال» .
و قال: دع المعاذر، فإن أكثرها مفاجر» . و إنما صارت المعاذر كذلك لأنها داعية إلى التخلص بكلّ شيء.
و قال سلاّم بن أبي مطيع: قال لي أيوب [٢] : «إياك و حفظ الحديث» خوفا عليه من العجب.
و قال إبراهيم النخعيّ: «دع الاعتذار، فإنه يخالط الكذب» .
قالوا: و نظر شاب و هو في دار ابن سيرين إلى فرش في داره، فقال: ما بال تلك الآجرة أرفع من الآجرة الأخرى؟فقال ابن سيرين: «يا ابن أخي إن فضول النظر تدعو إلى فضول القول» .
و زعم إبراهيم بن السندي قال: أخبرني من سمع عيسى بن علي يقول:
«فضول النظر من فضول الخواطر، و فضول النظر تدعو إلى فضول القول، و فضول القول تدعو إلى فضول العمل، و من تعوّد فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه، خرج إلى استكراه القول، و إن أبطأ أخرجه إبطاؤه إلى أقبح من الفضول» .
قال أبو عمرو بن العلاء: أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته معبد بن زرارة، فلما أخرجها إليه قال لها: «يا بنية أمسكي عليك الفضلين» . قالت:
و ما الفضلان؟قال: فضل الغلمة، و فضل الكلام.
و ضرار بن عمرو هو الذي قال: «من سره بنوه ساءته نفسه» . و هو الذي لما قاله له المنذر: كيف تخلصت يوم كذا و كذا، و ما الذي نجاك؟قال:
«تأخير الأجل، و إكراهي نفسي على المق الطوال» .
[١] إبراهيم النخعي الكوفي الفقيه عاش بين سنتي ٥٠-٩٦ هـ.
[٢] هو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري الفقيه، روى عن نافع و عطاء و عكرمة و روى عنه الأعمش و قتادة و آخرون.