البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٥٧ - مديح قوة العارضة
و يزعمون أنهم لم يروا محدثا قط صاحب آثار كان أجود حذفا و أحسن اختصارا للحديث من سفيان بن عيينة [١] . سألوه مرة عن قول طاوس في ذكاة الجراد، فقال: ابنه عنه: «ذكاته [٢] صيده» .
[مديح قوة العارضة]
و كانوا يمدحون شدة العارضة، و قوة المنة، و ظهور الحجة، و ثبات الجنان، و كثرة الريق، و العلو على الخصم، و يهجون بخلاف ذلك.
قال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما و لم يعش # حميدا و لم يشهد حلالا و لا عطرا
و قال أبو زبيد الطائيّ:
و خطيب إذا تمعرت الأو # جه يوما في مأقط مشهود [٣]
طباقاء، يقال للبعير إذا لم يحسن الضراب: جمل عياياء، و جمل طباقاء. و هو هاهنا للرجل الذي لا يتجه للحجة. الحلال: الجماعات.
و يقال حي حلال إذا كانوا متجاورين مقيمين. و العطر هنا: العرس المأقط: الموضع الضيق، و المأقط: الموضع الذي يقتتل فيه. و قال نافع بن خليفة الغنوي:
و خصم لدى باب الأمير كأنهم # قروم فشا فيها الزوائر و الهدر
دلفت لهم دون المنى بملمة # من الدرّ في أعقاب جوهرها شذر
إذا القوم قالوا أدن منها وجدتها # مطبّقة يهماء ليس لها خصر
القروم: الجمال المصاعب. الزوائر: الذين يزئرون. و الهدر: صوته عند هيجه، و يقال له الهدير. دلفت، أي نهضت نهوضا رويدا. و الدليف:
[١] سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي محدث ثقة توفي سنة ١٩٧ هـ.
[٢] الذكاة: الذبح.
[٣] تمعر: تغير و اصفر.