البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٣٢ - بشر بن المعتمر يقنن أصول البلاغة
و الأسباب، و الخرم و الزحاف. و قد ذكرت العرب في أشعارها السناد و الإقواء و الإكفاء، و لم أسمع بالإيطاء. و قالوا في القصيد و الرجز و السجع و الخطب، و ذكروا حروف الرويّ و القوافي، و قالوا هذا بيت و هذا مصراع. و قد قال جندل الطهوي حين مدح شعره:
لم أقو فيهن و لم أساند
و قال ذو الرمة:
و شعر قد أرقت له غريب # أجنبه المساند و المحالا
و قال أبو حزام العكليّ [١] :
بيوتا نصبنا لتقويمها # جذول الربيئين في المربأة
بيوتا على الها لها سجعة # بغير السناد و لا المكفأة
و كما سمى النحويون، فذكروا الحال و الظروف و ما أشبه ذلك، لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين و أبناء البلديين علم العروض و النحو. و كذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء جعلوها علامات للتفاهم.
قالوا: و قبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على منبر جماعة، أو في سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع و حفل، أما في إصلاح بين العشائر، و احتمال دماء القبائل، و استلال تلك الضغائن و السخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن، رفيع المكان: «ثم إن اللّه عز و جل بعد أن أنشأ الخلق و سوّاهم و مكّن لهم، لاشاهم فتلاشوا» . و لو لا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده.
[١] أبو حزام العكلي: هو غالب بن الحارث، عاش في العصر العباسي الأول، حفل شعره بالغريب.