البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٢ - مقدمة عامة
و لا يقل الحساب أهمية عن الخط، و به تعرف منازل القمر و الشمس و النجوم و عدد السنين و الأيام الخ.
أما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ و المشيرة بغير اليد. و ذلك ظاهر في خلق السماوات و الأرض، و في كل صامت و ناطق و جامد و نام و مقيم و ظاعن و زائد و ناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد كالدلالة التي في الحيوان الناطق، فالصامت ناطق من جهة الدلالة، و العجماء معربة من جهة البرهان» [١] .
بقي اللفظ، أهم وسائل البيان، و قد تحدث عنه الجاحظ بإسهاب و درسه دراسة عميقة شاملة.
و قوام اللفظ الصوت، فكل لفظة تتألف من مجموعة مقاطع، و كل مقطع يتألف من مجموعة حروف، و كل حرف عبارة عن صوت. و الصوت ينتج عن حركات اللسان في الفم. يقول الجاحظ موضحا ذلك: «و الصوت هو آلة اللفظ و الجوهر الذي يقوم به التقطيع و به يوجد التأليف، و لن تكون حركات اللسان لفظا و لا كلاما موزونا أو منشورا إلا بظهور الصوت، و لا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع و التأليف» [٢] .
و يعتني الجاحظ بملاحظة العلل التي تعتري البيان و أهمها الحبسة و اللثغة و اللكنة و اللحن.
و الحبسة عقدة تصيب اللسان فلا يستطيع المرء النطق بسهولة، و يثقل عليه الكلام، فينتج عن ذلك عدم القدرة على التعبير جيدا عن أفكاره و إفهام الآخرين. و كان موسى يعاني من هذه العقدة فسأل اللّه حين بعثه إلى فرعون بإبلاغ رسالته أن يحل تلك العقدة التي كانت في لسانه أو الحبسة التي كانت في بيانه [٣] .
[١] المصدر ذاته، ص ٥٩.
[٢] المصدر ذاته، ص ٥٨.
[٣] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ١، ص ٨.