البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٠٣ - عبد اللّه بن حفص
و دخل الشام و هو غلام، فتقدّم خصما له، و كان الخصم شيخا كبيرا، إلى بعض قضاة عبد الملك بن مروان، فقال له القاضي: أتقدم شيخا كبيرا؟ قال: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي. قال: لا أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: لا إله إلا اللّه، (أ حقا أم باطلا؟) . فقام القاضي فدخل على عبد الملك من ساعته، فخبره بالخبر، فقال عبد الملك:
اقض حاجته الساعة و أخرجه من الشام، لا يفسد عليّ الناس.
فإذا كان إياس و هو غلام يخاف على جماعة أهل الشام، فما ظنك به و قد كبرت سنه، و عضّ على ناجذه.
و جملة القول في إياس أنه كان من مفاخر مضر، و من مقدمي القضاة، و كان فقيه البدن، دقيق المسلك في الفطن، و كان صادق الحدس نقابا [١] ، و كان عجيب الفراسة ملهما، و كان عفيف الطعم، كريم المداخل و الشيم، وجيها عند الخلفاء، مقدما عند الأكفاء. و في مزينة خير كثير.
ثم رجعنا إلى القول الأول.
و منهم ربيعة الرأي [٢] ، و كان لا يكاد يسكت. قالوا: و تكلّم يوما فأكثر و أعجب بالذي كان منه، فالتفت إلى أعرابي كان عنده فقال: يا أعرابيّ: ما تعدون العيّ فيكم؟قال: ما كنت فيه منذ اليوم.
و كان يقول: الساكت بين النائم و الأخرس.
[عبد اللّه بن حفص]
و منهم عبيد اللّه بن محمد بن حفص التيمي [٣] . و محمد بن حفص هو
[١] الحدس: الظن و التخمين. النقاب: الرجل العلامة الفطن.
[٢] ربيعة الرأي، أبو عثمان ربيعة بن فروح مولى تيم، عرض عليه أبو العباس السفاح القضاء فلم يقبل. توفي بالأنبار سنة ١٣٦ هـ.
[٣] خطيب مفوه معاصر للجاحظ مات سنة ٢٨٨ هـ.