البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٠ - مقدمة عامة
و أسهب في الكلام على شرط البلاغة في الخطبة و هي تعني إبلاغ المعنى إلى السامع بكلام واضح فصيح موافق لمقتضى الحال.
بيد أن الجاحظ طرق ناحية لم يحفل بها أرسطو هي الموازنة بين الموهبة الخطابية عند مختلف الأمم. و قد رأى أن العرب أخطب الأمم قاطبة لحضور بديهتهم و زرابة لسانهم و فطرتهم المطبوعة.
و تنبه إلى مكانة الخطيب الخطيرة التي بدأت ترتفع منذ العصر الأموي بينما أخذت مكانة الشاعر تنحط. و عزا سبب ذلك إلى اتخاذ الشعر مطية للتكسب و إلى تعاظم شأن الخطابة للحاجة إليها و لمعالجتها أمورا سياسية و دينية خطيرة. و أوضح رأيه بقوله: «كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم و يضخم شأنهم و يهول على عدوهم و من غزاهم، و يهيب في فرسانهم و يخوف من كثرة عددهم و يهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر و الشعراء و اتخذوا الشعر مكسبة و رحلوا إلى السوقة و تسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر... » [١] .
و ثمة سبب آخر دعا المتكلمين إلى الاهتمام بعلم البيان و اللغة العربية لأن اللغة العربية لغة القرآن الذي ينطوي على الوحي و الشريعة و عليه مدار أبحاثهم، و على قدر تضلعهم منها يكون إدراكهم لمعاني القرآن و تمكنهم من تأويل آياته و قد عبر الجاحظ عن هذه الناحية بقوله: «فللعرب أمثال و انتقادات و أبنية، و موضع كلام يدل عندهم على معانيهم و إرادتهم. و لتلك الألفاظ مواضع أخر و لها حينئذ دلالات أخر. فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب و السنة و الشاهد و المثل، فإذا نظر في الكلام و في ضروب من العلم و ليس هو من أهل هذا الشأن هلك و أهلك» [٢] .
[١] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ١ ص ١٦٤.
[٢] الجاحظ، الحيوان، ج ١، ص ١٥٣.