سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٦٠ - باب اللام
فالجواب أن هذه الكلمة ليس كل العرب يقولها كما قال سيبويه ، وقال أيضا أبو الحسن : «لم أسمع هذا من العرب ، وإنما وجدته في الكتاب» [١].
ووجه جوازه على قلته طول الكلام بما أضيف هذا المبتدأ إليه ، وإذا طال الكلام جاز فيه من الحذف ما لا يجوز فيه إذا قصر ، ألا ترى إلى ما حكاه الخليل عنهم من قولهم : «ما أنا بالذي قائل لك شيئا» [٢] ولو قلت : ما أنا بالذي قائم لقبح.
فأما قول الشاعر [٣] :
|
لم أر مثل الفتيان في غير ال |
أيام ينسون ما عواقبها [٤] |
فالوجه أن تكون «ما» استفهاما ، و «عواقبها» الخبر ، كقوله تعالى ذكره : (وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ) (الهمزة : ٥) [٥] أي : ما أدراك أيّ شيء الحطمة ، فكأنه قال : أيّ شيء عواقبها ، على مذهب التعجب منها والاستعظام لها. فهذا أوجه من أن يحمل الكلام على أنه : ينسون الذي هو عواقبها ، لقلة (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) (الأنعام : ١٥٤) [٦].
وقال أبو الحسن في هذا الفصل : «لو قلت : لعبد الله ، وأضمرت الخبر لم يحسن» [٧] ، وإنما لم يحسن عنده لأن الكلام لم يطل ههنا كما طال في لحقّ أنه ذاهب. انقضى دخول اللام على الخبر.
[١]نقل النص من حاشية الكتاب (٣ / ١٥٧).
[٢]انظر / الكتاب (ص ٢٧٠).
[٣]هو عدي بن زيد ، والبيت نسبه إليه صاحب الأغاني (٢ / ١٢١).
[٤] عواقبها : العاقبة آخر كل شيء أو خاتمته ، والعاقبة مصير كل شيء. ينسون : مضارع مرفوع عبر به الشاعر ليدل على استمرارية النسيان لعواقب الأيام. الشاهد فيه أن (ما) استفهامية وعواقبها خبر.
[٥] أسلوب إنشائي في صورة استفهام غرضه التهديد والاستعظام. الحطمة : النار الشديدة.
[٦] (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) أي : على إحسانه في طاعة ربه. مختصر تفسير الطبري ص ١٢٥ ، وسبق تخريج القراءة.
[٧] (لو قلت : لعبد الله وأضمرت الخبر لم يحسن) : سبق تخريج هذه القراءة أيضا.