سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٤٢ - باب اللام
إذ لو كانت مقدرة في المعنى صفة للزوم خروجها على ذلك إلى اللفظ إذ ليس إجراء الصفة في اللفظ صفة مستكرها. وأما المصدر فجريانه وصفا في اللفظ فيه استكراه ، فغير منكر أن يمتنع منه في اللفظ ويعتقد في المعنى. وإنما جاز اعتقاده في المعنى وإن لم يكن الوصف بالمصدر في قوّة الوصف بصريح الصفة ، لأنه وإن كان كذلك فهو على كل حال جائز مستعمل في بعض المواضع ، فاعرف ذلك إن شاء الله.
ونظير هذا الذي أريتك قول سيبويه [١] في عدة إذا سميت به رجلا أن تقول : عدات ، وعدون ، فتجيز جمعه بالتاء ، وبالواو والنون ، ولا يمتنع من ذلك فيه وإن كان قبل التسمية به لم يجمع ، وإنما جاز فيه الجمع بالتاء ، وبالواو والنون بعد التسمية به وإن لم يكن ذلك جائزا ولا مسموعا فيه قبل التسمية من قبل أنه كان قبل التسمية مصدرا ، والمصادر يقلّ الجمع فيها ، فلما سمي به خرج عن مذهب المصدر إلى الاسمية ، فلحق بسنة وعضة ، فجرى عليه ما يجري عليهما من جواز الجمع لأنهما ليسا مصدرين.
أفلا ترى إلى سيبويه [٢] كيف احتج لترك جمعهم عدة وهي مصدر بأن المصادر يضعف جمعها ، فيقبح في اللفظ ، فكذلك أيضا يضعف في القياس أن تجري المصادر أوصافا إلا على ضرب من التأول. فلما ضعف ذلك فيها في القياس قلّ استعمالهم إياها في اللفظ أوصافا ، وحصل فيه بعض الاستكراه ، فلذلك لم يسمع عنهم : مررت بالرجل العلاء لضعف جريان المصادر أوصافا في القياس ، فمن هنا جفا ذلك في اللفظ وإن كان قد يجوز تخيّله على ضرب من التوسع في المعنى.
فأما العزّى فمن أمثلة الأوصاف بمنزلة الصغرى والكبرى ، فلو اعتقدوا الوصف بها لما منع من خروجها إلى اللفظ صفة مانع ، فمن هنا ضعف أن تكون العزّى صفة وتأنيث الأعزّ ، وإذا لم تكن صفة فاللام فيها زائدة كما قال أبو الحسن.
[١]ذكر ذلك سيبويه في الكتاب (٢ / ٩٩).
[٢]قال في الكتاب (٢ / ٩٩): «وأما عدة فلا تجمعه إلا عدات ، لأنه ليس شيء مثل عدة كصّر للجمع ، ولكنك إن شئت قلت عدون إن صارت اسما كما قلت : لدون». وقال : في (٢ / ٢٠٠) «واعلم أنه ليس كل جمع يجمع كما أنه ليس كل مصدر يجمع كالأشغال والعقول والحلوم والألباب ، ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والعلم والنظر».