سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٢٨٩ - حرف الألف الساكنة
هو لشبهها بالظرف. ويؤكد الشبه أيضا أنك قد تعبر عن الحال بلفظ الظرف ، ألا ترى أن قولك : جاء زيد ضاحكا في معنى : جاء زيد في حال ضحكه ، وعلى حال ضحكه ، فاستعمالك هنا لفظ «في» و «على» يؤنسك بالوقت والظرفية ، فاعرفه.
وأما واو القسم فنحو قولك : والله لأقومنّ ، وو الله لأقعدنّ ، وقد تقدم القول عليها ، وأنها بدل من باء الجر ، والعلة في جواز إبدالها منها في حرف الباء.
واعلم أن البغداديين [١] قد أجازوا في الواو أن تكون زائدة في مواضع :
منها قوله جل اسمه : (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ) (الصافات : ١٠٣ ـ ١٠٤) [٢] قالوا : معناه ناديناه ، والواو زائدة.
ومنها قوله تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ. وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) (الإنشقاق : ١ ـ ٣) قالوا : معناه إذا السماء انشقت إذا الأرض مدت ، فتكون «إذا» الثانية خبرا عن «إذا» الأولى ، كما تقول : وقت يقوم زيد وقت يقعد عمرو. وأجازوا أيضا في هذه الآية أن يكون التقدير : إذا السماء انشقت أذنت لربها.
ومنها قوله عز اسمه : (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها) (الزمر : ٧٣) تقديره عندهم : حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها.
واحتجوا لجواز ذلك بقول الشاعر [٣] :
|
حتى إذا امتلأت بطونكم |
ورأيتم أبناءكم شبّوا |
|
|
وقلبتم ظهر المجنّ لنا |
إن الغدور الفاحش الخبّ [٤] |
[١]يعني الكوفيين. انظر مذهبهم هذا «معاني القرآن» للفراء (١ / ١٠٧ ـ ١٠٨ ، ٢٣٨).
[٢]أسلما : استسلما لأمر الله ، والضمير عائد على سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل صلاة الله وسلامه عليهما. تلّه : ألقاه على عنقه وخدّه. اللسان (١١ / ٧٧). حين استسلم إبراهيم وإسماعيل لأمر الله نادى ربنا سيدنا إبراهيم. والشاهد في الآية «وناديناه» فقد أراد «ناديناه» زادت الواو على رأي الكوفيين.
[٣] هو الأسود بن يعفر يهجو بني نجيح من بني مجاشع بن دارم ، والبيتان في ديوانه (ص ١٩).
[٤] قلب ظهر المجن : كناية عن إظهار العداوة والفحش. الخبّ : المخادع الغشاش. لسان العرب (١ / ٣٤١) مادة / خبب.