سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٦٥ - باب النون
فأما قول أبي الحسن [١] إنه جر إذ لأنه أراد قبلها حين ، ثم حذفها ، وبقي الجرّ فيها ، وتقديره حينئذ ، فساقط غير لازم ، ألا ترى أن الجماعة قد أجمعت على أن إذ ، وكم ، ومن من الأسماء المبنية على الوقف.
وقد قال أيضا أبو الحسن نفسه في بعض التعاليق عنه في حاشية الكتاب : بعد كم ، وإذ من المتمكنة أن الإعراب لم يدخلها قط. فهذا تصريح منه ببناء إذ ، وهو الأليق به والأشبه باعتقاده ، وذلك القول الذي حكيناه عنه شيء قاله في كتابه الموسوم بمعاني القرآن ، وإنما هو شبيه بالسهو منه ، على أن أبا علي قد اعتذر له منه بما يكاد يكون عذرا.
ويؤكد عندك ما ذكرته من بناء إذ أنها إذا أضيفت فهي مبنية ، وذلك نحو قوله عز اسمه : (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) (غافر : ٧١) [٢](وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) (البقرة : ١٢٧) [٣](وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ) (الأحزاب : ٣٧) [٤] وقول القطاميّ [٥] :
|
إذ لا ترى العين إلا كلّ سابحة |
وسابح مثل سيد الرّدهة العادي [٦] |
إذ في هذا كله ونحوه مضافة إلى الجمل بعدها ، وموضعها نصب ، وهي كما ترى مبنية ، فإذا كانت في حال إضافتها إلى الجمل مبنية من حيث كانت الإضافة إلى الجملة كلا إضافة ، لأن من حق الإضافة وشرطها أن تقع إلى الأفراد ، فهي إذا لم تضف في اللفظ أصلا أجدر باستحقاق البناء ، وذلك نحو يومئذ وحينئذ.
[١] معاني القرآن للأخفش (ص ٢٧١).
[٢] الشاهد فيها (إذ) حيث جاءت مضافة إلى جملة اسمية ، وهي مبنية في محل نصب.
[٣] الشاهد فيها (إذ) جاءت مضافة إلى جملة فعلية ، وهي مبنية في محل نصب.
[٤] الشاهد فيها (إذ) جاءت مضافة إلى جملة فعلية.
[٥] البيت في ديوانه (ص ٨٥).
[٦] لا ترى : أسلوب إنشائي في صورة نفي ، والفكرة مؤكدة بالقصر الذي استخدم فيه النفي ـ لا ـ والاستثناء ـ إلا ـ. سيد : الذئب ، والأسد. والشاهد في قوله (إذ) حيث جاءت مضافة إلى جملة فعلية.