سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٣٥ - باب النون
وذهب الفراء إلى أن نون التثنية إنما دخلت فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد. ومعنى ذلك أنك إذا قلت «عندي رجلان» فلولا النون لالتبس بقولك : ضربت رجلا ، فإذا جاءت النون أعلمتك أن الكلمة مثنّاة ، وأنها ليست واحدا منصوبا.
وهذا القول عندنا على نهاية الخطل [١] والضعف والفساد ، وله وجوه كثيرة تفسده ، وتشهد ببطلانه ، منها : أنك لو قلت على قوله ومذهبه : قام الرجلان ، بلا نون ، لم يلتبس هذا بالواحد المنصوب ، وذلك أنك لا تقول ضربت الرجلا ، بالألف ، إنما تقول : ضربت الرجل ، بغير ألف ، فلو كان الأمر على ما ذكره لقلت قام الرجلا ، فأتيت بالألف علما للتثنية ، ولم تخف لبسا على ما قدمناه.
فإن قال قائل : إن من العرب من يقف على ما فيه لام المعرفة في موضع النصب بالألف ، فيقول ضربت الرجلا ، فدخلت النون فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد على هذه اللغة.
فالجواب : أن هذه لغة من الشذوذ والقلة على حال لا ينبغي أن يجتمع جميع العرب على مراعاتها وتخوف اللبس فيها ، وإنما يقولها قوم هم من القلة بحيث لا يعتدّون خلافا ، فضلا عن أن تجتمع العرب كلها قاطبة على تخوف الإشكال في لغتهم ، فأما قوله عز اسمه : (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب : ١٠) [٢] ، و (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (الأحزاب : ٦٧) [٣] ، فإنما ذلك على إشباع الفتحة للوقف على رؤوس الآي ، كما قرأت القرّاء (وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) (الفجر : ٤) [٤] ، و (ذلِكَ
[١] الخطل : خطل خطلا : أي حاد عن الصواب وأخطأ وأفحش ، والخطل أي الكلام الفاسد.
[٢] الشاهد فيها كلمة (الظنونا) حيث تقرأ بألف عوضا عن نون التنوين المحذوفة للوقف عليها. إعراب الشاهد : الظنونا : مفعول به منصوب بالمفعولية.
[٣] هي قراءة ابن كثير والكسائي وغيره عن عاصم بالألف إذا وقفوا وتركها في الوصل ، وقرأ هبيرة عن حفص بالألف وصل أو قطع. السبعة في القراءات (ص ٥٢٠). والشاهد فيها (السبيلا) حيث أبدلت نون التنوين ألفا للوقف عليها.
[٤] قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي (يسر) بغير ياء في وصل ولا وقف ، وقرأ ابن كثير بالياء وصل أو قطع ، وقرأ نافع بياء في الوصل وبغير ياء في الوقف ، وقرأ أبو عمرو (يسر) جزما إذا وصل وإذا وقف ، وروي غير ذلك عنه. السبعة (ص ٦٨٣ ـ ٦٨٤).