سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٤٣٣ - فصل في مذهب مزج العرب الحروف بعضها ببعض
فيه أن تتقدم النون على الراء لأن النون مشددة ، فقويت بذلك ، فصار لها حكم لولا التشديد لم يكن ؛ ألا ترى أن الواو والياء إذا كانتا غير مشددتين اعتلتا نحو : «ميعاد» و «موسر» و «قام» و «باع» فإذا شدّدتا تحصّنتا ، فقويتا ، فلم تعلا ، وذلك نحو «اجلواذّ» و «سيّل» [١] ، وكذلك القول في «مدنّر» لتشديد النون ، وكذلك «مصنّر» ، وانضاف إلى تشديد النون أيضا أن الحرفين متأخران ، وليست النون في أول الكلمة ، وإنما اعتماد أولها على الميم قبل الدال والزاي والصاد في : «مدنّر» و «مزنّر» و «مصنّر».
ويدلك على أن الاعتلال والتضعيف واحتمال الحروف المكروهة التأليف بأواخر الحرف أولى منها بأوله إعلالهم نحو «غازية» و «محنية» [٢] ، وهما من «غزوت» و «حنوت» وأصلهما «غازوة» و «محنوة» فقلبت الواو ياء وإن كانت مفتوحة ، ولم تحصّنها الحركة من القلب كما حصّنتها في نحو «حول» و «طول» و «تولة» [٣] لما كانت في «غازية» و «محنية» متأخرة ، ولأجل ذلك ما تجد التضعيف في آخر الحرف كثيرا واسعا ، نحو : صددت ، ومددت ، وحللت ، وبللت ، وفررت ، ومررت ، وسببت ، وصببت ، ونحو : الشّمم ، والزّمم [٤] ، والصّدد [٥] ، والبدد [٦] ، ولا تكاد تجده أولا البتة إلا شاذا نحو «ددن» [٧] و «ببّان» [٨].
فأما «ببّة» [٩] فإنما لقّب بالصوت الذي كانت أمه ترقصه به.
وأما «ببر» [١٠] فأعجمي. فالفاء والعين لا يكونان من لفظ واحد إلا شاذا ،
[١]سيل : جمع سائل ، من سال يسيل. اللسان (١١ / ٣٥٠ ـ ٣٥١) مادة / سيل.
[٢]محنية : واحدة المحاني وهي معاطف الأودية. اللسان (١٤ / ٢٠٤) مادة / حنا.
[٣]تولة : ضرب من الخرز يوضع للسحر فتحبب بها المرأة إلى زوجها. اللسان (١١ / ٨١).
[٤] الزمم : أمر زمم : تعدد لم يجاوز القدر.
[٥] الصدد : الناحية.
[٦] البدد : تباعد ما بين الفخذين في الناس من كثرة لحمهما.
[٧] ددن : اللهو واللعب.
[٨]ببان : الطريق المعتدل ويقال هم ببان واحد ، وعلى ببان واحد. اللسان (١٣ / ٤٥) مادة / ببن.
[٩]ببة : لقب عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب. والببة : هو الغلام السمين وقيل الأحمق الثقيل. اللسان (١ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣) مادة / ببب.
[١٠]ببر : الفرانق الذي يعادي الأسد. اللسان (٤ / ٣٧) مادة / ببر.