سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٢١٤ - إبدال الهاء من الواو
الآخرة هاء ، فقالوا : «هناه» كما أبدل الجميع من ألف «عطاا» الثانية همزة لئلا يجتمع ساكنان ، لكان قولا قويا ، ولكان أيضا أشبه من أن يكون قلبت الواو في أول أحوالها هاء من وجهين :
أحدهما : أن من شريطة قلب الواو ألفا أن تقع طرفا بعد ألف زائدة ، وقد وقعت هنا كذلك.
والآخر : أن الهاء إلى الألف أقرب منها إلى الواو ، بل هما في الطرفين ، ألا ترى أن أبا الحسن ذهب إلى أن الهاء مع الألف من موضع واحد لقرب ما بينهما ، فقلب الألف إذن هاء أقرب من قلب الواو هاء.
وكتب إليّ أبو علي من حلب في جواب شيء سألته عنه ، فقال : وقد ذهب أحد علمائنا إلى أن الهاء من «هناه» إنما لحقت في الوقف لخفاء الألف ، كما تلحق بعد ألف الندبة في نحو «وا زيداه» و «وا بكراه» ثم إنها شبّهت بالهاء الأصلية ، فحرّكت ، فقالوا : «يا هناه». ولم يسمّ أبو علي هذا العالم من هو ، فلما انحدرت إليه إلى مدينة السّلام ، وقرأت عليه نوادر أبي زيد ، نظرت فإذا أبو زيد هو صاحب هذا القول. وهذا من أبي زيد غير مرضي عند الجماعة ، وذلك أن الهاء التي تلحق لبيان الحركات وحروف اللين إنما تلحق في الوقف ، فإذا صرت إلى الوصل حذفتها البتة [١] ، فلم توجد فيه ساكنة ولا متحركة ، وقد استقصيت هذا الفصل في كتابي في شرح شعر المتنبي عند قوله :
|
وا حرّ قلباه ممن قلبه شبم |
... [٢] |
ودللت هناك على ضعف قول أبي زيد وبيت المتنبي جميعا في هذا.
[١] يقال : لا أفعله بتة ، ولا أفعله ألبتة ، أي قطعا لا رجعة فيه.
[٢]البيت من ديوان المتنبي (٣ / ٣٦٢) ولم يذكره صاحب اللسان ، هو مطلع قصيدة يمدح فيه سيف الدولة الحمداني وكان أبو فراس الحمداني حاضرا أثناء إلقاء المتنبي لقصيدته التي يمدح فيها ابن عمه وقاطعه أكثر من مرة فذمه المتنبي بقوله :
|
أعيذها نظرات منك شاخصة |
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم |
وقال لسيف الدولة في قصيدته أيضا :
|
يا أعدل الناس إلا في معاملتي |
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم |