الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ٨٧ - تولية كسرى أبرويز
دنا منه ومن أصحابه ، فوقف له كسرى على طرف القنطرة ، ووتر قوسه ، وكان من رماة الناس ، فوضع فيها نشابة ، وخاف أن يعمد برميته بهرام ، فلا يعمل السهم فيه لجودة درعه ، فأراد أن يعمد وجهه ، فلم يأمن أن يتترس بدرقته [١] أو يميل وجهه عن سهمه ، فرمى جبهة فرسه ، فلم يخطئ وسط جبهته ، واستدار الفرس من شدة الرمية ، ثم سقط .
وبقي بهرام راجلا ، فأمعن كسرى ركضا حتى دخل المدائن ، وأتى أباه ، ولم يعلمه أن بهرام إنما يحاول رد الملك إليه غير أنه قال له : ( إن أصحابي جميعا مالوا إليه ثم قال ( ما الذي ترى ؟ ) قال ( أرى لك أن تلحق بقيصر ، فإنه سينجدك ، وينصرك حتى يسترجع لك ملكك ) . فقبل كسرى يدي أبيه ورجليه ، وودعه ، وسار نحو البحر في أصحابه ، وكانوا تسعة ، هو عاشرهم ، فقال بعضهم لبعض : ( إن بهرام يوافي المدائن اليوم أو غدا ، فيملك هرمزد ، فيكون ملكا كما لم يزل ، ثم يكتب هرمزد إلى قيصر ، فيردنا إليه ، فيقتلنا جميعا ، وليس كسرى بملك ما دام أبوه حيا ) . فقال بندونيه وبسطام خالا كسرى ( نحن نكفيكم ذلك ) . فانصرفا على المقبض ، ثم أقبلا حتى دخلا قصر المملكة ، وولجا على هرمزد البيت الذي كان فيه ، وقد شغل الحشم بالبكاء والعويل ، لهرب كسرى من عدوه ، فألقيا عمامة في عنقه ، فخنقاه حتى مات .
ثم لحقا بكسرى ، ولم يخبراه بذلك ، وساروا بالركض الشديد يومهم ، مخافة الطلب ، ومن الغد حتى شارفوا مدينة هيت [٢] ، وانتهوا إلى دير رهبان ، فنزلوه ، فأتوهم بخبز شعير ، فبلوه بالماء ، وأكلوه ، وأتوهم بخل ، فمزجوه بماء ، وشربوا منه ، واتكأ كسرى على خاله بسطام ، فنام لشدة ما أصابه من التعب ، فبينا هم كذلك إذ ناداهم الراهب من صومعته : أيها النفر ، قد أتتكم الخيل ، وهم بالبعد .
[١] الدرقة معدب دريجة ، والدرق بالفتح الصلب من كل شئ ، . الدرقة كالدرع يتخذها المحارب ليحمي نفسه من النشابة والسهام .
[٢] بلدة على الفرات ، فوق الأنبار على جهة البرية وقد سميت باسم بانيها .