الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ١٤٥ - وقعة الجمل
وهو يقول : ( يا أهل الكوفة ، أطيعوني تكونوا جرثومة [١] من جراثيم العرب ، يأوي إليكم المظلوم ، ويأمن فيكم الخائف ، أيها الناس ، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت ، وإذا أدبرت تبينت ، وإن هذه الفتنة الباقرة [٢] لا يدرى من أين تأتي ، ولا من أين تؤتى ، شيموا سيوفكم ، وانزعوا أسنة رماحكم ، واقطعوا أوتار قسيكم ، والزموا قعور البيوت ، أيها الناس ، إن النائم في الفتنة خير من القائم ، والقائم خير من الساعي ) .
فانتهى الحسن بن علي وعمار رضي الله عنهما إلى المسجد الأعظم وقد اجتمع عالم من الناس على أبي موسى ، وهو يقول لهم هذا وأشباهه ، فقال له الحسن :
( اخرج عن مسجدنا ، وامض حيث شئت ) . ثم صعد الحسن المنبر ، وعمار صعد معه ، فاستنفرا الناس ، فقام حجر بن عدي الكندي ، وكان من أفاضل أهل الكوفة فقال : ( انفروا خفافا وثقالا ، رحمكم الله ) فأجابه الناس من كل وجه : سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ، نحن خارجون على اليسر العسر والشدة والرخاء .
فلما أصبحوا من الغد خرجوا مستعدين ، فأحصاهم الحسن ، فكانوا تسعة آلاف وستمائة وخمسين رجلا ، فوافوا عليا بذي قار قبل أن يرتحل . فلما هم بالمسير غلس الصبح ، ثم أمر مناديا ، فنادى في الناس بالرحيل ، فدنا منه الحسن ، فقال :
( يا أبت أشرت عليك حين قتل عثمان وراح الناس إليك وغدوا ، وسألوك أن تقوم بهذا الأمر ألا تقبله حتى تأتيك طاعة جميع الناس في الآفاق ، وأشرت عليك حين بلغك خروج الزبير وطلحة بعائشة إلى البصرة أن ترجع إلى المدينة ، فتقيم في بيتك ، وأشرت عليك حين حوصر عثمان أن تخرج من المدينة ، فإن قتل قتل وأنت غائب ، فلم تقبل رأيي في شئ من ذلك ) .
[١] جرثومة كل شئ أصله ومجتمعه .
[٢] يعني أنها مفسدة للدين ومفرقة بين الناس ومشتتة أمورهم .