الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ١٦٩ - وقعة صفين
أمر الناس غما شديدا ، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعا ، فأتاه الأشعث بن قيس فقال : يا ( أمير المؤمنين ، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا ؟ ولني الزحف إليه ، فوالله لا أرجع أو أموت ، ومر الأشتر فلينضم إلي في خيله ) ، فقال له علي :
( إيت في ذلك ما رأيت ) . فلما أصبح زاحف أبا الأعور ، فاقتتلوا ، وصدقهم الأشتر والأشعث حتى نفيا أبا الأعور وأصحابه عن الشريعة ، وصارت في أيديهما ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية : ( ما ظنك بالقوم اليوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس ؟ ، فقال معاوية : ( دع ما مضى ، ( ما ظنك بعلي ؟ ) ، قال : ( ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه ، لأنه أتاك في غير أمر الماء ) .
ثم توادع الناس ، وكف بعضهم عن بعض ، وأمر علي ألا يمنع أهل الشام من الماء ، فكانوا يسقون جميعا ، ويختلط بعضهم ببعض ، ويدخل بعضهم في معسكر بعض ، فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلا بخير ، ورجوا أن يقع الصلح .
وأقبل عبيد الله بن عمر بن الخطاب حتى استأذن على علي ، فأذن له ، فدخل عليه ، فقال له علي : ( أقتلت الهرمزان ظلما ، وقد كان أسلم على يدي عمي العباس ، وفرض له أبوك في ألفين ، وترجو أن تسلم مني ؟ ) .
فقال له عبيد الله : ( الحمد لله الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان ، وأنا أطلبك بدم أمير المؤمنين عثمان ) .
فقال له علي : ( ستجمعنا وإياك الحرب ، فتعلم ) .
قال : فلم يزالوا يتراسلون شهري ربيع [١] وجمادى الأولى ، ويفزعون فيما بين ذلك ، يزحف بعضهم إلى بعض ، فيحجز بينهم القراء والصالحون ، فيفترقون من غير
[١] ربيع الثاني من سنة ٣٧ ه = أغسطس ٦٥٧ م .