الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ١٦٢ - وقعة صفين
فأراده معاوية على أن يقوم في الناس فيلزم عليا دم عثمان ، فأبى ، فاستخف به معاوية ، ثم أدناه بعد وقربه .
قالوا : ولما عزم أهل الشام على نصر معاوية ، والقيام معه أقبل أبو مسلم الخولاني ، وكان من عباد أهل الشام ، حتى قدم على معاوية ، فدخل عليه في أناس من العباد ، فقال له : ( يا معاوية قد بلغنا أنك تهم بمحاربة علي بن أبي طالب ، فكيف تناوئه [١] وليست لك سابقته ؟ ) ، فقال لهم معاوية : ( لست أدعي أني مثله في الفضل ، ولكن تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟ ) ، قالوا :
( نعم ) [٢] ، قال : ( فليدفع لنا قتلته حتى نسلم إليه هذا الأمر ) . قال أبو مسلم : ( فاكتب إليه هذا الأمر ، حتى أنطلق أنا بكتابك ) ، فكتب :
( بسم الله الرحمن الرحيم ، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإن الخليفة عثمان قتل معك في المحلة ، وأنت تسمع من داره الهيعة [٣] ، فلا تدفع عنه بقول ولا بفعل ، وأقسم بالله لو قمت في أمره مقاما صادقا ، فنهنهت [٤] عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ، وأخرى أنت بها ظنين ، إيواؤك قتلته ، فهم عضدك ويدك وأنصارك وبطانتك ، وبلغنا أنك تبتهل [٥] من دمه ، فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته ، نقتلهم به ، ونحن أسرع الناس إليك ، وإلا فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلا السيف ، فوالله الذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في البر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله والسلام ) .
فسار أبو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفة ، فدخل على علي ، فناوله الكتاب ، فلما قرأه تكلم أبو مسلم ، فقال ( يا أبا الحسن ، إنك قد قمت بأمر ، ووليته ،
[١] في الأصل : تناويه .
[٢] في الأصل : بلى .
[٣] الهيعة : صوت الصارخ للفزع .
[٤] النهنهة : الزجر والكف .
[٥] أي تتحلل .