الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ٢١ - ملك سليمان
ونحن ولا حول سوى حول ربنا * نروح إلى الأوطان من أرض تدمر [١] وكان داود عليه السلام ابتدأ بناء مسجد بيت المقدس ، فتوفي قبل استتمامه ، فاستتمه سليمان ، وأتم بناء مدينة إيليا [٢] ، وقد كان أبوه ابتدأها قبله ، فبنى مسجدها بناء لم ير الناس مثله ، وكان يضئ في ظلمة الليل الحندس إضاءة السراج الزاهر ، لكثرة ما كان جعل فيه من الجواهر والذهب ، وجعل اليوم الذي فرغ فيه منه عيدا في كل سنة ، فلم يكن في الأرض عيد أبهى ولا أعظم خطرا منه ، ولا أحسن منظرا ، فلم يزل المسجد على ما بناه سليمان حتى غزا ( بخت نصر ) بيت المقدس ، فأخر بها ، ونقض المسجد ، وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضة والجوهر ، فنقله إلى العراق .
قالوا : وكان سليمان مطعاما للطعام ، فكان يذبح في مطابخة كل غداة ستة آلاف ثور ، وعشرون ألف شاة . قالوا : ولما فرغ سليمان من بناء مسجد إيليا [٣] تجهز سائرا إلى تهامة [٤] ، يريد بيت الله الحرام ، فطاف به ، وكساه ، وذبح عنده ، وأقام سبعا ، ثم سار إلى صنعاء ، وتفقد الطير ، فلم ير الهدهد ، فكان من حديثه وحديث صاحبه سبأ - وهي بلقيس - ما قد قصة الله تبارك وتعالى في كتابه [٥] ، إلى أن تزوجها وبنى بأرض اليمن ثلاثة حصون ، لم ير الناس مثلها ، وهي سلحين ، وبينون ، وغمدان ، وانصرف سليمان إلى الشام ، فكان يزورها في كل شهر ، فيقيم عندها ثلاثا . وإنه غزا بلاد المغرب : الأندلس ، وطنجة ، وفرنجة ، وإفريقية ، ونواحيها من أرض
[١] تدمر : مدينة بأرض الشام .
[٢] اسم قديم لمدينة القدس .
[٣] إلى هنا ينتهي الخرم في الأصل .
[٤] تهامة : أرض بالجزيرة العربية ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من مكة ، وذات عرق أول تهامة إلى البحر وجدة ، وتذكر بعض الكتب العربية ، أنها مكة .
[٥] سورة النمل الآيات من رقم ٢٠ إلى رقم ٤٤