الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ٢١٧ - مقتل علي بن أبي طالب
وإني ناظر لكم كنظري لنفسي ، وأرى رأيا فلا تردوا على رأيي ، إن الذي تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة ، وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب ، وفشل عن القتال ، ولست أرى أن أحملكم على ما تكرهون ) .
فلما سمع أصحابه ذلك نظر بعضهم إلى بعض ، فقال من كان معه ممن يرى رأي الخوارج : ( كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله ) ، فشد عليه نفر منهم ، فانتزعوا مصلاه من تحته ، وانتهبوا ثيابه حتى انتزعوا مطرفه [١] عن عاتقه ، فدعا بفرسه ، فركبها ، ونادى : ( أين ربيعة وهمدان ؟ ) فتبادروا إليه ، ودفعوا عنه القوم .
ثم ارتحل يريد المدائن ، فكمن له رجل ممن يرى رأي الخوارج ، يسمى الجراح بن قبيصة من بني أسد بمظلم ساباط ، فلما حاذاه الحسن قام إليه بمغول [٢] فطعنه في فخذه .
وحمل على الأسدي عبد الله بن خطل وعبد الله بن ظبيان ، فقتلاه .
ومضى الحسن رضي الله عنه مثخنا حتى دخل المدائن ، ونزل القصر الأبيض ، وعولج حتى برأ ، واستعد للقاء ابن عامر .
وأقبل معاوية حتى وافى الأنبار ، وبها قيس بن سعد بن عبادة من قبل الحسن ، فحاصره معاوية ، وخرج الحسن فواقف عبد الله بن عامر ، فنادى عبد الله بن عامر :
( يا أهل العراق ، إني لم أر القتال ، وإنما أنا مقدمة معاوية ، وقد وافى الأنبار في جموع أهل الشام فاقرؤوا أبا محمد - يعني الحسن - مني السلام ، وقولوا له : أنشدك الله في نفسك وأنفس هذه الجماعة التي معك ) .
فلما سمع ذلك الناس انخذلوا وكرهوا القتال ، وترك الحسن الحرب ، وانصرف إلى المدائن ، وحاصره عبد الله بن عامر بها .
[١] المطرف واحد المطارف واحد المطارف وهي أردية من خز مربعة لها أعلام .
[٢] المغول : سوط في جوفة سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس .