الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ١١٧ - الفتوحات الإسلامية في عهد عمر ابن الخطاب
فسار عتبة بن غزوان حتى أتى مكان البصرة اليوم ، ولم تكن هناك يومئذ إلا الخريبة ، وكانت منازل خربة ، وبها مسالح لكسرى تمنع العرب من العبث في تلك الناحية ، فنزلها عتبة بن غزوان بأصحابه في الأخبية والقباب ، ثم سار حتى نزل موضع البصرة ، وهي إذ ذاك حجارة سود وحصى ، وبذلك سميت البصرة ، ثم سار حتى أتى الأبلة ، فافتتحها عنوة ، وكتب إلى عمر رضي الله عنه : ( أما بعد ، فإن الله ، وله الحمد ، فتح علينا الأبلة ، وهي مرقى سفن البحر من عمان ، والبحرين ، وفارس ، والهند ، والصين ، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم ، وأنا كاتب إليك ببيان ذلك إن شاء الله ) .
وبعث بالكتاب مع نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي ، فلما قدم على عمر رضي الله عنه تباشر المسلمون بذلك ، فلما أراد نافع الانصراف ، قال لعمر : ( يا أمير المؤمنين . إني قد افتليت [١] فلاء بالبصرة ، واتخذت بها تجارة . فاكتب إلى عتبة ابن غزوان أن يحسن جواري ) .
فكتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى عتبة : ( أما بعد ، فإن نافع بن الحارث ذكر أنه قد افتلى فلاء ، وأحب أن يتخذ بالبصرة دارا ، فأحسن جواره ، واعرف له حقه ، والسلام ) . فخط له عتبة بالبصرة خطة ، فكان نافع أول من خط خطة بالبصرة ، وأول من افتلى بها الأفلاء ، وارتبط بها رباطا ، ثم إن عتبة سار إلى المذار [٢] ، وأظهره الله عليهم ، ووقع مرزبانها في يده ، فضرب عنقه ، وأخذ بزته ، وفي منطقته الزمرد والياقوت ، وأرسل بذلك إلى عمر رضي الله عنه ، وكتب إليه بالفتح ، فتباشر الناس بذلك ، وأكبوا على الرسول ، يسألونه عن أمر البصرة ، فقال إن المسلمين يهيلون بها الذهب والفضة هيلا ، فرغب الناس في الخروج ، حتى كثروا بها ، وقوي أمرهم ، فخرج عتبة بهم إلى فرات البصرة [٣] ، فافتتحها ، ثم سار إلى
[١] اقتنيت قنية : وافتلى أي اتخذ .
[٢] المذار بفتح الميم بلدة بين واسط والبصرة .
[٣] البلاد قرب البصرة التي تسقى من نهر الفرات .