الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ٧٨ - الخراج في عهد كسرى
وكان ابنه كسرى الذي ملك من بعده ، ويسمى أبرويز ، معه في مسيرة ، فعار [١] ذات يوم مركب من مراكبه ، فوقع في زرع على طريقه ، فرتع فيه ، وأفسد ، فأخذ صاحب الزرع ذلك المركب ، فدفعه إلى الموكل بذلك الأمر ، فلم يمكنه معاقبة كسرى ، فرقى أمره إلى أبيه ، فأمر أن يجدع إذنا الفرس ، ويحذف ذنبه ، ويغرم ابنه مقدار مائة ضعف مما أفسد الفرس من ذلك الزرع .
فخرج الموكل بذلك من عند الملك لينفذ أمر الملك ، فوجه كسرى رهطا من المرازبة والأشراف إلى الموكل بذلك ، ليسألوه التغييب عن ذلك ويدفع ألف ضعف مما أفسد مركبه ، لما في جدع أذن الفرس وتبتير ذنبه من الطيرة ، فلم يجبهم الموكل إلى ذلك ، وأمر بالمركب فجدعت أذناه ، وبتر ذنبه ، وغرم كسرى ما أصاب صاحب الزرع كنحو ما كان يغرم سائر الناس ، فلم يكن للملك هرمزد بن كسرى همة ولا نهمة إلا استصلاح الضعفاء ، وإنصافهم من الأقوياء ، فاستوى في ملكه القوي والضعيف .
وكان هرمزد منصورا مظفرا لا يروم تناول شئ إلا ناله ، لم يهزم له جيش قط ، وكان أكثر دهره غائبا عن المدائن . إما بالسواد متشتيا ، وإما بالماه متصيفا .
فلما كانت سنة إحدى عشرة من ملكه حدق به الأعداء من كل وجه فاكتنفوه اكتناف الوتر سيتي [٢] القوس ، أما من ناحية الشرق فإن شاهنشاه الترك أقبل حتى صار إلى هراة [٣] ، وطرد عمال هرمزد ، وأما من قبل المغرب فإن ملك الروم أقبل حتى شارف ( نصيبين ) ليسترد آمد [٤] وميافارقين [٥]
[١] عار الفرس يعير ذهب كأنه منفلت .
[٢] سيتا القوس طرفاه
[٣] مدينة في أفغانستان سكانها سنيون وبينهم طائفة من الشيعة ، وينسب بناؤها إلى الإسكندر ، وهي مشهورة بجامعها القديم وفيها تصنع الطنافس .
[٤] آمد وهي ديار بكر ، مدينة على الشاطئ الأيسر لنهر دجلة ، فتحها عياض بن غنام النهري .
[٥] ميافارقين : قاعدة بلاد ديار بكر بين الجزيرة وأرمينية ، وقد سميت قديما مارتير وپوليس أو مدينة الشهداء لما جمع فيها من عظام الفرس المسيحيين .