الاخبار الطوال - الدِّينَوري، أبو حنيفة - الصفحة ١٥٠ - وقعة الجمل
يا أمنا يا خير أم نعلم * والأم تغذو ولدها وترحم ألا ترين كم جواد يكلم * وتختلي هامته والمعصم فخرج إليه من أهل الكوفة الحارث بن زهير الأزدي ، وكان من فرسان علي ، فاختلفا ضربتين ، فأوهط [١] كل منهما صاحبه ، فخرا جميعا صريعين ، يفحصان [٢] بأرجلهما حتى ماتا .
قالوا : وانكشف أهل البصرة انكشافه ، وانتهى الأشتر إلى الجمل ، وعبد الله بن الزبير آخذ بخطامه ، فرمى الأشتر بنفسه على عبد الله بن الزبير ، فصار تحته ، فصاح عبد الله بن الزبير : ( اقتلوني ومالكا ) ، فثاب إلى ابن الزبير أصحابه .
فلما خاف الأشتر على نفسه قام عن عبد الله بن الزبير ، وقاتل حتى خلص إلى أصحابه ، قد عار فرسه ، فقال لهم : ( ما أنجاني إلا قول ابن الزبير : اقتلوني ومالكا ، فلم يدر القوم من مالك ، ولو قال اقتلوني والأشتر لقتلوني ) .
وقاتل عدي بن حاتم حتى فقئت إحدى عينيه ، وقاتل عمرو بن الحمق ، وكان من عباد أهل الكوفة ، ومعه النساك قتالا شديدا ، فضرب بسيفه حتى انثنى ، ثم انصرف إلى أخيه رياح ، فقال له رياح : ( يا أخي ، ما أحسن ما نصنع اليوم ، أن كانت الغلبة لنا ) .
قالوا : ولما رأى علي لوث أهل البصرة بالجمل ، وانهم كلما كشفوا عنه عادوا ، فلاثوا به ، قال لعمار وسعيد بن قيس وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر وابن بديل ومحمد بن أبي بكر وأشباههم من حماة أصحابه : ( إن هؤلاء لا يزالون يقاتلون ما دام هذا الجمل نصب أعينهم ، ولو قد عقر فسقط لم تثبت له ثابتة ) ، فقصدوا بذوي الجد من أصحابه قصد الجمل حتى كشفوا أهل البصرة عنه ، وأفضى
[١] الإيهاط : الإثخان ضربا ، أو الرمي المهلك .
[٢] يتمرغان في التراب كما تفحص الدجاجة لتتخذ لها أفحوصة تبيض فيها .